و مما يدل على أن الأنبياء لهم أن يعاقبوا من آذاهم بالهلاك و أن أظهر التوبة و الندم ما رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل أن قارون كان يؤذي موسى ـ و كان ابن عمه ـ فبلغ من أذاه إياه أن قال لامرأة بغي: إذا اجتمع الناس عندي غدا فتعالي و قولي: 'ن موسى راودني عن نفسي فلما كان الغد و اجتمع الناس جاءت فسارت قارون ثم قالت للناس: إن قارون قال لي كذا و كذا و إن موسى لم يقل لي شيئا من هذا فبلغ موسى عليه الصلاة و السلام و هو قائم يصلي في المحراب فخر ساجدا فقال: أي رب إن قارون قد آذاني و فعل و فعل و بلغ من أذاه إياي أن قال ما قال فأوحى الله إلى موسى: أن يا موسى إني قد أمرت الأرض أن تعطيك و كان لقارون غرفة قد ضرب عليها صفائح الذهب فأتاه موسى و معه جلساؤه فقال لقارون: قد بلغ من أذاك أن قلت كذا و كذا يا أرض خذيهم فأخذتهم الأرض إلى أكعبهم فهتفوا: يا موسى ادع لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه فنؤمن بك و نتبعك و نطيعك فقال: خذيهم فأخذتهم إلى أنصاف سوقهم فهتفوا و قالوا: يا موسى آدع لنا ربك أن ينجينا مما نحن فيه فنؤمن بك و نتبعك و نطيعك فقال: يا أرض خذيهم [ فأخذتهم ] إلى ركبهم فلم يقول: يا أرض خذيهم حتى تطابقت عليهم و هم يهتفون فأوحى الله يا موسى ما أفظك !
أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخصلتهم
و رواه عبد الرزاق قال: ثنا جعفر بن سليمان ثنا علي بن زيد بن جدعان فذكره أبسط من هذا و فيه أن المرأة قالت: إن قارون بعث إلي فقال: هل لك إلى أن أمولك و أعطيك و أخطبك بنسائي على أن تأتيني و املأ من بني إسرائيل عندي تقولين: يا قارون ألا تنهى موسى عن أذاي
و إني لم أحد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله و أبرئ رسول الله قال: فنكس قارون رأسه و عرف أنه قد هلك و فشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى صلى الله عليه و سلم و كان موسى صلى الله عليه و سلم شديد الغضب فلما بلغه ذلك توضأ فسجد و بكى و قال: يا رب عدوك قارون كان لي مؤذيا فذكر أشياء ثم لم يتناه حتى أراد فضيحتي يا رب فسلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك قال: فجاء موسى يمشي إلى قارون فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال: يا موسى ارحمني فقال موسى: يا أرض خذيهم فاضطربت داره و خسف به و بأصحابه إلى ركبهم و ساخت داره على قدر ذلك و جعل يقول: يا موسى ارحمني و يقول موسى: يا أرض خذيهم و ذكر القصة
فهذه القصة مع أن النبي عليه الصلاة و السلام قال لابن مسعود لما بلغه قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله: [ دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ]
فهذا ـ مع ما ذكرناه من أحوال النبي عليه الصلاة و السلام ـ دليل على أن الأنبياء صلوات الله عليهم و سلامه لهم أن يعاقبوا من آذاهم و إن تاب و لهم أن يعفوا عنه كما ذلك لغيرهم من البشر لكن لهم أن يعاقبوا من يؤذيهم بالقتل و الإهلاك و ليس لغيرهم أن يعاقبه بمثل ذلك
و ذلك دليل على أن عقوبة مؤذيهم حد من الحدود لا لمجرد الكفر فإن عقوبة الكافر تسقط بالتوبة بلا ريب و قارون قد كان تاب في وقت تنفع فيه التوبة و لهذا في الحديث: [ أما إنهم لو كانوا إياي دعوا لخصلتهم ] و في لفظ[ لرحمتهم النبي عليه الصلاة و السلام و إنما كان يرحمهم سبحانه و الله أعلم بأن يستطيب نفس موسى من أذاهم كما يستوهب المظالم لمن رحمه من عباده ممن هي له و يعوضه منها
الطريق الثانية عشرة: ما تقدم من حديث أنسبن زنيم الديلي الذي ذكر عنه أنه هجا النبي عليه الصلاة و السلام ثم جاءه و أنشده قصيدة تتضمن إسلامه و براءته مما قيل عنه و كان معاهدا فتوقف النبي عليه الصلاة و السلام فيه و جعل يسأل العفو عنه حتى عفا عنه فلو لم تكن العقوبة بعد الإسلام على السب من المعاهد جائزة لما توقف النبي صلى الله عليه و سلم في حقن دمه و لا احتاج إلى العفو عنه و لولا أن للرسول الله صلى الله عليه و سلم حقا يملك استيفاءه بعد الإسلام لما عفا عنه كما لم يكن يعفو عمن أسلم و لا تبعة عليه و حديثه لمن تأمله دليل واضح على جواز قتل من هجا النبي صلى الله عليه و سلم من المعاهدين ثم أسلم
كما أن حديث ابن أبي سرح دليل واضح على جواز قتل من سبه مرتدا ثم أسلم و ذلك أنه لما بلغه أنه هجاه و قد كان مهادنا موادعا و كان العهد الذي بينهم يتضمن الكف عن إظهار أذاه و كان على ما قيل عنه قد هجاه قبل أن يقتل بنو بكر خزاعة قبل أن ينقضوا العهد فلذلك ندر النبي صلى الله عليه و سلم دمه ثم أنشد قصيدة يتضمن أنه مسلم يقول فيها: [ تعلم رسول الله ] و: [ هبني رسول الله ] و ينكر فيها أن يكون هجاه و يدعو على نفسه بذهاب اليد إن كان هجاه و ينسب الذين شهدوا عليه إلى الكذب وبلغت رسول الله صلى الله عليه و سلم قصيدته و اعتذاره قبل أن يجيء إليه و شفع له كبير قبيلته نوفل بن معاوية و كان نوفل هذا هو الذي نقض العهد و قال: يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو و من منا لم يعادك و يؤذك و نحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ و ما ندع حتى هدانا الله بك و أنقذنا بك عن الهلك و قد كذب عليه الركب و كثروا عندك فقال: [ دع الركب عنك فإنا لم تجد بتهامة أحدا من ذي رحم قريب و لا بعيد كان أبر من خزاعة ] فأسكت نوفل بن معاوية فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ قد عفوت عنه ] قال نوفل: فداك أبي و أمي
فلو كان الإسلام المتقدم قد عصم دمه لم يحتج إلى العفو كما لم يحتج إليه من أسلم و لا حد عليه و لكان قال: الإسلام يجب ما قبله كما قاله لغيره من الحربيين كما يقول له من يقول: ألا نقتل هذا بعد إسلامه ؟ فيقول: [ الإسلام يجب ما قبله ] و صاحب الشريعة بين أن ما أسقط قتله عفوه و ذلك أن قوله [ عفوت عنه ] إما أن يكون أفاده سقوط ما كان أهدره من دمه أو لم يفده ذلك فإن لم يفده فلا معنى لقوله [ عفوت عنه ] و إن كان قد أفاده سقط ذلك الإهدار فقبل ذلك لو قتله بعض المسلمين بعد أن أسلم و قبل أن عفا عنه النبي صلى الله عليه و سلم لكان جائزا لأنه متبع لأمر رسول الله عليه الصلاة و السلام بقتله أمرا مطلقا إلى حين عفا عنه كما أن أمره بقتل ابن أبي سرح كان باقيا حكمه إلى أن عفا عنه و لذلك عتبهم إذ لم يقتلوه قبل عفوه و هذا بين من هذه الأحاديث بيانا واضحا و لو كان عند المسلمين أن من هجاه من معاهد ثم أسلم عصم دمه لكان نوفل و غيره من المسلمين علموا ذلك و قالوا له كما قالوا لكعب بن زهير و نحوه ممن هجاه و هو حربي: إنه لا يقتل من جاءه مسلما ألا ترى أنهم لم يظهروه لرسول الله صلى الله عليه و سلم حتى عفا عنه كما لم يظهروا ابن أبي سرح حتى عفا عنه بخلاف كعب بن زهير و ابن الزبعرى فإنهما جاءا بأنفسهما لثقتهما بأنه لا يمكن قتل الحربي إذا جاء مسلما و إمكان أن يقتل الذمي الساب و إن جاءا مسلمين و إن كانا قد أسلما ثم إنه في قصيدته قال:
( فإني لا عرضا خرقت و لا دما ... هرقت ففكر عالم الحق و اقصد )
فجمع بين خرق العرض و سفك الدم فعلم أنه مما يؤخذ به و إن أسلم و لولا أن قتله كان ممكنا بعد إسلامه لم يحتج إلى هذا الإنكار و الاعتذار
و يؤيد ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يندر دم واحد بعينه من بني بكر الناقضي العهد إلا هذا مع أنهم فعلوا تلك الأفاعيل فعلم أن خرق عرضه كان أعظم من نقض العهد بالمقاتلة و المحاربة باليد و قد تقدم الحديث بدلالته و إنما نبهنا عليه هنا إحالة على ما مضى