الطريقة الحادي عشرة: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد ارتد و افترى على النبي صلى الله عليه و سلم أنه يلقنه الوحي و يكتب له ما يريد فأهدر النبي صلى الله عليه و سلم دمه و نذر رجل من المسلمين ليقتلنه ثم حبسه عثمان أياما حتى اطمأن أهل مكة ثم جاء تائبا ليبايع عليه الصلاة و السلام و يؤمنه فصمت رسول الله عليه الصلاة و السلام طويلا رجاء أن يقوم إليه الناذر أو غيره فيقتله و يوفي بنذره
ففي هذا دلالة على أن المفتري على النبي عليه الصلاة و السلام الطاعن عليه قد كان له أن يقتله و أن دمه مباح و إن جاء تائبا من كفره و فريته لأن قتله لو كان حراما لم يقل النبي عليه الصلاة و السلام ما قال و لا قال للرجل: [ هلا وفيت نذرك بقتله ]
و لا خلاف بين المسلمين علمناه أن الكافر إذا جاء تائبا مريدا للاسلام مظهرا لذلك لم يجز قتله لذلك و لا فرق في ذلك بين الأصلي و المرتد إلا ما ذكرناه من الخلاف الشاذ في المرتد مع أن هذا الحديث يبطل ذلك الخلاف بل لو جاء الكافر طالبا لأن يعرض عليه الإسلام و يقرأعليه القرآن لوجب أمانه لذلك
قال الله تعالى: { و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه } [ التوبة: 6 ]
و قال تعالى في المشركين: { فإن تابوا و أقاموا الصلاة و اتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة: 5 ]
و عبد الله بن سعد إنما جاء تائبا ملتزما لإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة بل جاء بعد أن أسلم كما تقدم ذكر ذلك ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم بين أنه كان مريدا لقتله و قال للقوم: [ هلا قام بعضكم إليه ليقتله ] و [ و هلا وفيت بنذرك في قتله ] فعلم أنه قد كان جائزا له أن يقتل من يفتري عليه و يؤذيه من الكفار و إن جاء مظهرا للإسلام و التوبة بعد القدرة عليه و في ذلك دلالة ظاهرة على أن الافتراء عليه و أذاه يجوز له قتل فاعله و 'ن أظهر الإسلام و التوبة
و مما يشبه هذا إعراضه عن أبي سفيان بن الحارث و ابن أبي أمية و قد جاءا مهاجرين يريدان الإسلام أو قد أسلما و علل ذلك بأنهما كانا يؤذيانه و يقعان في عرضه مع أنه لا خلاف علمناه أن الحربي إذا جاء يريد الإسلام و جبت المسرعة إلى قبوله منه و كان الاستئناء به حراما و قد عده بعض الناس كفرا
و قد كانت سيرته صلى الله عليه و سلم في المسرعة إلى قبول الإسلام من كل من أظهره و تأليف الناس عليه بالأموال و غيرها أشهر من أن يوصف فلما أبطأ عن هذين و أراد أن لا يلتفت إليهما البتة علم أنه كان له أن يعاقب من كان يؤذيه و يسبه و إن أسلم و هاجر و أن لا يقبل منه من الإسلام و التوبة ما يقبل من الكفر الذي لم يكن يؤذيه و في هذا دلالة على أن السب وحده موجب للعقوبة
يوضح ذلك ما ذكره أهل المغازي أن علي بن أبي طالب قال لأبي سفيان ابن الحارث: ائت رسول الله صلى الله عليه و سلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: { تالله لقد آثرك الله علينا و إن كنا لخاطئين } [ يوسف: 91 ] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين } [ يوسف: 92 ]
ففي هذا دلالة على أن ماله من عرضه كان له أن يعاقب عليه و أن يعفو في الجب و بيعه للسيارة و لكن لكرمه عفا صلى الله عليه و سلم و لو كان الإسلام يسقط حقه بالكلية كما يسقط حقوق الله لم يتوجه شيء من هذا
و قد تقدم تقرير هذا الوجه في أول الكتاب و بينا أنه نص في جواز قتل المرتد الساب بعده إسلامه فلذلك قتل الساب المعاهد لأن المأخذ واحد
و مما يوضحه أن المسلمين قد كان استقر عندهم أن الكفر الحربي إذا أظهر الإسلام حرم عليهم قتله لا سيما عند السابقين الأولين مثل عثمان بن عفان و نحوه و قد علموا قوله تعالى: { و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } [ النساء: 94 ] و قصة أسامة بن زيد و حديث المقداد فلما كان ألئك الذين أهدر النبي صلى الله عليه و سلم دمائهم: منهم من قتل و منهم من أخفى حتى اطمأن أهل مكة و طلب من رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبايعه دل على أن عثمان رضي الله عنه و غيره من المسلمين علموا أن إظهار عبد الله بن سعد بن أبي سرح و نحوه الإسلام لا يحقن دماءهم دون أن يؤمنهم النبي صلى الله عليه و سلم و إلا فقد كان يمكنهم أن يأمروهم بإظهار الإسلام و الخروج من أول يوم
و الظاهر ـ و الله أعلم ـ أنهم قد كانوا أسلموا و إنما تأخرت بيعتهم للنبي عليه الصلاة و السلام و ذلك دليل على أنه قد كان للنبي عليه الصلاة و السلام قتلهم لأجل سبه مع إظهار التوبة
و قد روي عن عكرمة أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة و كذلك ذكر آخرون أن ابن أبي سرح رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي عليه الصلاة و السلام بمر الظهران
و هذا الذي ذكروه نص في المسألة و هو أشبه بالحق فإن النبي عليه الصلاة و السلام لما نزل بمر الظهران شعرت به قريش حينئذ و ابن أبي سرح قد علم ذنبه فيكون قد أسلم حينئذ و لما بلغه أن النبي عليه الصلاة و السلام قد أهدر دمه تغيب حتى استؤمن له و الحديث لمن تأمله دليل على أن النبي عليه الصلاة و السلام كان له أن يقتله و أن يؤمنه و أن الإسلام وحده لم يعصم دمه حتى عفا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم
فمن ذلك أن عثمان جاء ليشفع له إلى النبي صلى الله عليه و سلم فصمت عنه رسول الله عليه الصلاة و السلام طويلا و أعرض عنه مرة بعد مرة و كان عثمان يأتيه من كل وجهة و هو يعرض عنه رجاء أن يقوم بعضهم فيقتله و عثمان في ذلك يكب على النبي عليه الصلاة و السلام يقبل رأسه و يطلب منه أن يبايعه و يذكر أن لأمه عليه حقوقا حتى استحيى النبي عليه الصلاة و السلام من عثمان فقضى حاجته ببيعته مع أنه كان يود أن لا يفعل فعلم أن قتله كان حقا له أن يعفو عنه و يقبل فيه شفاعة شافع و له أن لا يفعل و لو كان ممن يعصم الإسلام دمه لم يحتج إلى شافع و لم يجز رد الشفاعة
و منها: أن عثمان لما قال للنبي صلى الله عليه و سلم: إنه يفر منك قال: [ ألم أبايعه و أومنه ] قال: بلى و لكنه يتذكر عظيم جرمه فقال: [ الإسلام يجب ما قبله ] و في هذا بيان لأن خوفه من النبي عليه الصلاة و السلام أن يقتله إنما زال بأمانه و بيعته لا لمجرد الإسلام فعلم أن الإسلام يمحو إثم السب و أما سقوط القتل فلا يحصل بمجرد الإسلام لأن النبي عليه الصلاة و السلام أزال خوفه من القتل بالأمان و أزال خوفه من الذنب بالإسلام