و قد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنهم يجوزون على الأنبياء الكبائر و لهذا لا يلتفون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن و إن كانت متواترة فلا يرجمون الزاني و يقطعون يد السارق فيما قل و كثر زعما منهم على ما قيل أن لا حجه إلا القرآن و أن السنة الصادرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد
قال من حكى ذلك عنهم: إنهم لا يطعنون في النقل لتواتر ذلك إنما يثبتونه على هذا الأصل و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم في صفتهم: [ إنهم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم ] يتأولونه برأيهم من غير استدلال على معانيه بالسنة و هم لا يفهمونه بقلوبهم إنما يتلونه بألسنتهم و التحقيق أنهم أصناف مختلفة فهذا رأى طائفة منهم و طائفة قد يكذبون النقلة و طائفة لم يسمعوا ذلك و لم يطلبوا علمه و طائفه يزعمون أن ما ليس له ذكر في القرآن بصريحه ليس حجة على الخلق: إما لكونه منسوخا أو مخصوصا بالرسول أو غير ذلك و كذلك ما ذكر من تجويزهم الكبائر فأظنه ـ و الله أعلم ـ قول طائفة منهم
و على كل حال فمن كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه و سلم جائر في قمسه و هو يقول إنه يفعلها بأمر الله فهو مكذب له و من زعم أنه يجوز في حكم أو قسمة فقد زعم أنه جائر و أن اتباعه لا يجب و هو مناقص لما تضمنته الرسالة من أمانته و وجوب طاعته و زوال الحرج عن الجنس من ضائه بقوله و فعله فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته و النقياد لحكمه و أنه لا يحيف على أحد فمن طعن في هذا فقد طعن في تبليغه و ذلك طعن في الرسالة
و بهذا تبين صحة واية من روى الحديث [ و من يعدل إذا لم أعذل ؟ لقد خبت و خسرت إنم لم أكن أعدل ] لأن هذا الطاعن يقول: إنه رسول الله صلى الله عليه و سلم و إنه يجب عليه تصديقه و طاعته فإذا قال لم يعدل فلقد لزم أنه صدق غير عدل و لا أمين و من اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر كما وصفهم الله بأنهم من الأخسرين أعمالا و إن حسبوا أنهم يحسنون صنعا و لأنه من لم يؤتمن على المال لم يؤتمن على ما هو أعظم منه و لهذا قال صلى الله عليه و سلم: [ ألا تأمنوني و أنا أمين من في السماء يأتيني خير السماء صباحا و مساء ]
و قال صلى الله عليه و سلم لما قال له اتق الله: [ أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ] و ذلك لأن الله تعالى قال فيما بلغه إليهم الرسول: { ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر: 7 ] بعد قوله: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله و للرسول } الآية [ الحشر: 7 ] فبين سبحانه أن ما نهى عنه من مال الفيء فعلينا أن ننتهى عنه فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتقي الله إذ لولا ذلك لكانت الطاعة له و لغيره إن تساويا أو لغيره دونه إن كان دونه و هذا كفر بما جاء به و هذا ظاهر
و قوله صلى الله عليه و سلم: [ شر الخلق و الخليقة ] و قوله: [ شر قتلى تحت أديم السماء ] نص في أنهم من المنافقين لأن المنافقين أسوأ حالا من الكفار كما ذكر أن قوله تعالى: { و منهم من يلمزك في الصدقات } [ آل عمران: 106 ] نزلت فيهم
و كذلك في حديث أبي أمامة أن قوله تعالى: { أكفرتم بعد إيمانكم } [ آل عمران: 106 ] نزلت فيهم هذا مما لا خلاف فيه إذا صرحوا بالطعن في الرسول و العيب له كفعل أولئك اللامزين له
فإذا ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه و سلم أمر بقتل من كان من جنس ذلك الرجل الذي لمزه أينما لقوا و أخبر أنهم شر الخليقة و ثبت أنهم من المنافقين كان ذلك دليلا على صحة معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلهم للقتل
يبقى أن يقال: ففي الأحاديث الصحيحة أنه نهى قتل ذلك اللامز فنقول: حديث الشعبي هو أول ظهور هؤلاء كما تقدم فالأشبه ـ و الله أعلم ـ أن يكون قد أمر بقتله أولا طعما في انقطاع أمرهم و إن كان قد كان يعفو عن أكثر المنافقين لأنه خاف من هذا انتشار الفساد من بعده على الأمة و لهذا قال: [ لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم و آخرهم ] و كان ما يحصل لقتله من المصلحة العظيمة أعظم مما يخاف من نفوز بعض الناس لقتله فلما لم يوجد و تعذر قتله مع النبي صلى الله عليه و سلم بما أوحاه الله إليه من العلم ما فضله الله به فكأنه علم أنه لابد من خروجهم و أنه لا مطمع في استئصالهم كما أنه لما علم أن الدجال خارج لا محالة نهى عمر عن قتل ابن صياد و قال: [ إن يكنه فلن تسلط عليه و إن لا يكنه فلا خير لك في قتله فكان هذا مما أوجب نهيه بعد ذلك عن قتل ذي الخويصرة لما لمزة في غنائم حنين ] و كذلك لما قال عمر: ائذن لي فأضرب عنقه قال: [ دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ] إلى قوله [ يخرجون على حين فرقة من الناس ] فأمر بتركه لأجل أن له أصحابا خارجين بعد ذلك فظهر أن علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدا فيتحدث الناس بأن محمدا يقتل أحابه الذين يصلون معه و تنفر بذلك عن الإسلام قلوب كثيرة من غير مصلحة تعمر هذه المفسدة هذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقا بأبي هو و أمي صلى الله عليه و سلم
و بهذا تبين سبب كونه في بعض الحديث يعلل بأنه يصلي و في بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه و في بعضه بأن له أصحابا سيخرجون و سيأتي إن شاء تعالى ذكر بعض هذه الأحاديث و إن كان هذا الموضع خليقا بها أيضا
فثبت أن كل من لمز النبي صلى الله عليه و سلم في حكمه أو قسمه فإنه يجب قتله كما أمر به صلى الله عليه و سلم في حياته و بعد موته و أنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة و أن ليس في ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين و أشد
و مما يشهد لمعنى هذا الحديث قول أبي بكر في الحديث المشهور لما أراد أبو برزة أن يقتل الرجل الذي أغلظ لأبي بكر و تغيظ عليه أبو بكر و قال له أبو برزة: أقتله ؟ فقال أبو بكر [ ما كان لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقتل أحدا ]
فإن هذا كما تقدم دليل على أن الصديق علم أن النبي صلى الله عليه و سلم يطاع أمره في قتل من أمر بقتله ممن أغضب النبي صلى الله عليه و سلم
فلما كان في حديث الشعبي أنه أمر أبا بكر بقتل ذلك الذي لمزه حتى أغضبه كانت هذه القصة بمنزله العمدة لقول الصديق و كان قول الصديق رضي الله عنه دليلا على صحة معناها