و قال القاضي في خلافه و ابنه أبو الحسين:[ إذا سب النبي عليه الصلاة و السلام قتل و لم تقبل توبته مسلما كان أو كافرا و يجعله ناقضا للعهد نص عليه أحمد
و ذكر القاضي النصوص التي قدمناها عن الإمام أحمد في أنه يقتل و لا يستتاب و قد وجب عليه القتل قال القاضي: [ لأن حق النبي صلى الله عليه و سلم يتعلق به حقان: حق لله و حق لآدمي و العقوبة إذا تعلق بها حق لله و حق لآدمي لم تسقط بالتوبة كالحد في المحاربة فإنه لو تاب قبل القدرة لم يسقط حق الآدمي من القصاص و سقط حق الله ]
و قال أبو المواهب العكبري: [ يجب لقذف النبي عليه الصلاة و السلام الحد المغلظ و هو القتل تاب أو لم يتب ذميا كان أو مسلما ]
و كذلك ذكر جماعات آخرون من أصحابنا أنه يقتل ساب النبي صلى الله عليه و سلم و لا تقبل توبته سواء كان مسلما أو كافرا و مرادهم بأنه لا تقبل توبته أن القتل لا يسقط عنه بالتوبة و التوبة اسم جامع للرجوع عن السب بالإسلام و بغيره فلذلك أتوا بها و أرادوا أنه لو رجع عن السب بالإسلام أو بالإقلاع عن السب و العود إلى الذمة إن كان ذميا لم يسقط عنه القتل لأن عامة هؤلاء لما ذكروا هذه المسألة قالوا: خلافا لأبي حنيفة و الشافعي في قولهما: إن كان مسلما يستتاب فإن تاب و إلا قتل كالمرتد و إن كان ذميا فقال أبو حنيفة: [ لا ينتقض عهده ] و اختلف أصحاب الشافعي فيه فعلم أنهم أرادوا بالتوبة توبة المرتد و هي الإسلام و لأنهم قد حكموا بأنه مرتد و قد صرحوا بأن توبة المرتد أن يرجع إلى الإسلام و هذا ظاهر فيه فإن كل من ارتد بقول فتوبته أن يرجع إلى الإسلام و يتوب من ذلك القول و أما الذمي فإن توبته لها صورتان:
إحداهما: أن يقلع عن السب و يقول: لا أعود إليه و أنا أعود إليه و أنا أعود إلى الذمة و ألتزم موجب العهد
و الثانية: أن يسلم فإن إسلامه توبة من السب
و كلا الصورتين تدخل في كلام هؤلاء الذين قالوا: لا تقبل توبته مسلما كان أو كافرا و إن كانت الصورة الثانية أدخل في كلامهم من الأولى لكن إذا لم يسقط بتوبة هي العود إلى الذمة أولى و إنما كانت أدخل لأنه قد علم أن التوبة من المسلم إنما هي الإسلام فكذلك من الكافر لذكرهم توبة الاثنين بلفظ واحد و لأن تعليلهم بكونه حق آدمي و قياسه على المحارب دليل على أنه لا يسقط بالإسلام و لأنهم صرحوا في مواضع يأتي بعضها أن التوبة من الكافر هنا إسلامه
و قد صرح بذلك جماعة غيرهم فقال القاضي الشريف أبو علي بن أبي موسى في الإرشاد و هو ممن يعتمد نقله: [ و من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم النبي صلى الله عليه و سلم قتل و لم يستتب و من سبه صلى الله عليه و سلم من أهل الذمة قتل و إن أسلم ]
و قال أبو علي ابن البناء في الخصال و الأقسام له: [ و من سب النبي عليه الصلاة و السلام وجب قتله و لا تقبل توبته و إن كان كافرا فأسلم فالصحيح من المذهب أنه يقتل أيضا و لا يستتاب ] قال: [ و مذهب مالك كمذهبنا ]
و عامة هؤلاء لم يذكروا خلافا في وجوب قتل المسلم و الكافر و أنه لا يسقط بالتوبة من الإسلام و غيره و هذه طريقة القاضي في كتبه المتأخرة من التعليق الجديد و طريقة من وافقه و كان القاضي في التعليق القديم و في الجامع الصغير يقول: [ إن المسلم يقتل و لا تقبل توبته و في الكافر إذا أسلم روايتان قال القاضي في الجامع الصغير الذي ضمنه مسائل التعليق القديم: [ و من سب أم النبي عليه الصلاة و السلام قتل و لم تقبل توبته فإن كان كافرا فأسلم ففيه روايتان إحداهما: يقتل أيضا و الثانية: لا يقتل و يستتاب قياسا على قوله في الساحر: إذا كان كافرا لم يقتل و إن كان مسلما قتل ] و كذلك ذكر من نقل من التعليق القديم مثل الشريف أبي جعفر قال: [ إذا سب أم النبي عليه الصلاة و السلام قتل و لم تقبل توبته و في الذمي إذا سب أم النبي عليه الصلاة و السلام قتل و لم تقبل توبته و في الذمي إذا سب أم النبي عليه الصلاة و السلام روايتان إحداهما: يقتل و الأخرى: لا يقتل ]
قال: [ و بهذا التفصيل قال: مالك و قال أكثرهم: تقبل توبته في الحالين ] و لنا أنه حد وجب كقذف أدمي فلا يسقط بالتوبة كقذف غير أم النبي عليه الصلاة و السلام
و كذلك قال أبو الخطاب في رؤوس المسائل: [ إذا قذف أم النبي عليه الصلاة و السلام لا تقبل التوبة منه و في الكافر إذا سبها ثم أسلم روايتان و قال أبو حنيفة و الشافعي: تقبل توبته في الحالتين ]
و لنا أنه حد وجب كقذف آدمي فلا يسقط بالتوبة دليله قذف أم النبي صلى الله عليه و سلم
و غنما ذكرت عبارة هؤلاء ليتبين أن مرادهم بالتوبة هنا من الكافر الإسلام و يظهر أن طريقتهم بعينها هي طريقة ابن البناء في أن المسلم إذا سب لم تقبل توبته و أن الذمي إذا سب ثم أسلم قتل أيضا في الصحيح من المذهب
فإن قيل: فقد قال القاضي في [ خلافه ] [ فإن قيل: أليس قد قلتم لو نقض العهد بغير سب النبي صلى الله عليه و سلم ـ مثل أن نقضه بمنع الجزية أو قتال المسلمين أو أذيتهم ـ ثم تاب قبلتم توبته و كان الإمام فيه بالخيار بين أربعة أشياء كالحربي إذا حصل أسيرا في أيدينا هلا قلتم في سب النبي صلى الله عليه و سلم إذا تاب منه كذلك قيل: لأن سب النبي صلى الله عليه و سلم قذف لميت فلا يسقط بالتوبة كما لو قذف ميتا ] و هذا من كلامه يدل على أن التوبة غير الإسلام لأنه لو نقض العهد بغير السب ثم أسلم يتخير الإمام فيه
قلنا: لا فرق في التخيير بين الأربعة قبل التوبة التي هي الإقلاع و بعده عند من يقول به إنما أراد المخالف أن يقيس على صورة تشبه صور النزاع و هي الحكم فيه بعد التوبة إذا كان قبل التوبة قد ثبت جواز قتله