فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 322

الثاني: أن كل من جاء تائبا قبل أخذه فقد تاب قبل القدرة عليه

سئل عطاء عن الرجل يجيىء بالسرقة تائبا قال: ليس عليه قطع و قرأ { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } [ المائدة: 34 ] و كل من لم يؤخذ فهو ممتنع و لا سيما إذا لم يوجد و لم تقم عليه حجة و ذلك لأن الرجل و إن كان مقيما فيمكنه الاستخفاء و الهرب كما يمكن المصحر فليس كل من فعل جرما كان مقدورا عليه بل قد يكون طلب المصحر أسهل من طلب المقيم إ ذا كان لا يواريه في الصحراء خمر و لا غابة بخلاف المقيم في المصر و قد يكون المقيم له من يمنعه من إقامة الحد عليه و كل من تاب قبل أن يؤخذ و يرفع إلى السلطان فقد تاب قبل القدرة عليه

و أيضا فإذا تاب قبل أن يعلم به و ثبت الحد عليه فإن جاء بنفسه فقد تاب قبل القدرة عليه لأن قيام البينة ـ و هو في أيدينا ـ قدرة عليه فإذا تاب قبل هذين فقد تاب قبل القدرة عليه قطعا

الثالث: ان المحارب باللسان كالمحارب باليد قد يكون ممتنعا و قد يكون المحارب باليد مستضعفا بين قوم كثيرين و كما أن الذي يخاطر بنفسه بقتال قوم كثيرين قليل فكذلك الذي يظهر الشتم و نحوه من الضرر بين قوم كثيرين قليل و إن الغالب ان القاطع بسيفه لإنما يخرج على من يستضعفه فكذلك الذي يظهر الشتم و نحوه من الساب و نحوه إنما يفعل ذلك في الغالب مستخفيا مع من لا يتمكن من أخذه و رفعه إلى السلطان و الشهادة عليه

و مما يقرر الاستدلال بالآية من وجهين آخرين:

أحدهما: أنها قد نزلت في قوم ممن كفر و حارب بعد سلمة باتفاق الناس فيما علمناه و إن كانت نزلت أيضا فيمن حارب و هو مقيم على إسلامه فالذمي إذا حارب ـ إما بأن يقطع الطريق على المسلمين أو يستكره مسلمة على نفسها و نحو ذلك ـ يصير به محاربا و على هذا إذا تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه القتل الواجب عليه و إن كان هذا قد اختلف فيه فإن العمدة على الحجة فالساب للرسول أولى و لا يجوز أن يخص بمن قاتل لأخذ المال فإن الصحابة جعلوه محاربا بدون ذلك و كذلك سبب النزول الذي ذكرناه ليس فيه أنهم قتلوا أحدا لأخذ مال و لو كانوا قتلوا أحدا لم يسقط القود عن قاتله إذا تاب قبل القدرة و كان قد قتله و له عهد كما لو قتله و هو مسلم

و أيضا فقطع الطريق إما أن يكون نقضا للعهد أو يقام عليه ما يقام على المسلم مع بقاء العهد فإن كان الأول فلا فرق بين قطع الطريق و غيره من الأمور التي تضر المسلمين و حينئذ فمن نقض العهد بها لم يسقط حده ـ و هو القتل ـ إذا تاب بعد القدرة و إن كان الثاني لم ينتقض عهد الذمي بقطع الطريق و قد تقدم الدليل على فساده ثم إن الكلام هنا إنما هو تفريع عليه فلا يصح المنع بعد التسليم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت