فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 322

الحديث التاسع: قصة ابن أبي سرح و هي مما اتفق عليه أهل العلم و استفاضت عندهم استفاضة تستغني عن رواية الآحاد كذلك و ذلك أثبت و أقوى مما رواه الواحد العدل فنذكرها مشروحة ليتبين وجه الدلالة منها:

عن مصعب بن سعد عن سعيد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: [ أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك قال: إنه لا ينبغي لنبي له خائنة الأعين ] رواه أبو داود باسناد صحيح

و رواه النسائي كذلك أبسط من هذا عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس إلا أربعة نفر و قال: اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل و عبد الله بن خطل و مقيس بن صبابة و عبد الله بن سعد بن أبي سرح

فأما عبد الله بن خطل فأدرك و هو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد ابن حريث و عمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا و كان أشب الرجلين فقتله و أما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه

و أما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا فقال عكرمة: و الله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره اللهم لك علي عهد إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده و لأجدنه عفوا كريما فجاء و أسلم

و أما عبد الله بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه و سلم ثم ذكر الباقي كما رواه أبو داود

و عن عبد الله بن عباس قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأذله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه و سلم رواه أبو داود

و روى محمد بن سعد في الطبقات عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح و فرتنى و ابن الزبعرى و ابن خطل فأتاه أبو برزة و هو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه و كان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله فجاء عثمان ـ و كان أخاه من الرضاعة ـ فشفع له إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبي صلى الله عليه و سلم متى يومئ إليه أن يقتله فشفع له عثمان حتى تركه ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأنصاري [ هلا وفيت بنذرك فقال يا رسول الله وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى توميء فأقتله فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ليس لنبي أن يومئ ]

و قال محمد بن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: قال أبو عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر و عبد الله بن أبي بكر بن حزم: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ حين دخل مكة و فرق جيوشه ـ أمرهم أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم إلا نفرا قد سماهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال: [ اقتلوهم و إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ] عبد الله ابن خطل و عبد الله بن أبي سرح [ ] و إنما أمر بابن أبي سرح لأنه كان قد أسلم فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي فرجع مشركا و لحق بمكة فكان يقول: إني لأصرفه كيف شئت إنه ليأمرني أن أكتب له الشيء فأقول له: أو كذا أو كذا فيقول: نعم و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول [ عليم حليم ] فيقول له: أو أكتب [ عزيز حكيم ] فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ كلاهما سواء ]

قال ابن إسحاق: حدثني شرحبيل بن سعد أن فيه نزلت: { و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي و لم يوح إليه شيء و من قال سأنزل مثل ما أنزل الله } [ الأنعام: 93 ] فلما دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة فر إلى عثمان بن عفان ـ و كان أخاه من الرضاعة ـ فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة فأتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستأمن له فصمت رسول الله صلى الله عليه و سلم طويلا و هو واقف عليه ثم قال: [ نعم ] فانصرف به فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ ما صمت إلا رجاء أن يقوم إليه بعضكم فيقتله ] فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ألا أو مأت إلي فاقتله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إن النبي لا يقتل بالإشارة ]

و قال ابن إسحاق في رواية إبراهيم بن سعد عنه: حدثني بعض علمائنا أن ابن أبي سرح رجع إلى قريش فقال: و الله لو أشاء لقلت كما يقول محمد و جئت بمثل ما يأتي به إنه ليقول الشيء و أصرفه إلى الشيء فيقول: أصبت ففيه أنزل الله تعالى: { و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي و لم يوح إليه شيء } [ الأنعام: 93 ] فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقتله

و قال ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح قال: كان رسول الله عهد إلى أمرائه من المسلمين ـ حين أمرهم أن يدخلوا مكة ـ ألا يقاتلوا إلا أحدا قاتلهم إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم و إن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله ابن سعد بن أبي سرح و إنما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقتله لأنه كان أسلم و كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي فارتد مشركا راجعا إلى قريش فقال: و الله إني لأصرفه حيث أريد إنه ليملي علي فأقول أو كذا أو كذا فيقول: نعم و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يملي عليه فيقول [ عزيز حكيم ] أو [ حكيم عليم ] فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: [ كل صواب ]

و روينا في مغازي معمر عن الزهري في قصة الفتح قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمر أصحابه بالكف و قال: [ كفوا السلاح ] إلا خزاعة من بكر ساعة ثم أمرهم فكفوا فامن الناس كلهم إلا أربعة: ابن أبي سرح و ابن خطل و مقيس الكناني و امراة أخرى ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إني لم أحرم مكة و لكن الله حرمها و إنها لم تحل لأحد بعدي إلى يوم القيامة و إنما أحلها الله لي ساعة من نهار ] قال: ثم جاء عثمان بن عفان بابن أبي سرح فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه من ناحية أخرى فقال: بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ثم جاءه أيضا فقال: بايعه يا رسول الله فمد يده فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لقد أغرضت عنه و إني لأظن بعضكم سيقتله ] فقال رجل من الأنصار: فهلا أومضت إلي يا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: [ إن النبي لا يومض ] فكأنه رآه غدرا

و في مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: و أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم و أمرهم بقتل أربعة منهم عبد الله ابن سعد بن أبي سرح و الحويرث بن نقيد و ابن خطل و مقيس بن صبابة أحد بني ليث و أمر بقتل قينتين لابن خطل تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال: و يقال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في قتل النفر و أن يقتل عبد الله بن أبي سرح و كان ارتد بعد الهجرة كافرا فاختبأ حتى اطمأن الناس ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعرض عنه ليقوم رجل من أصحابه فيقتله فلم يقم إليه أحد و لم يشعروا بالذي في نفس رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أحدهم: لو أشرت إلي يا رسول الله ضربت عنقه فقال: [ إن النبي لا يفعل ذلك ] و يقال: أجاره عثمان بن عفان ـ و كان أخاه من الرضاعة ـ و قتلت إحدى القينتين و كمنت الأخرى حتى استؤمن لها

و ذكر محمد بن عائذ في مغازيه هذه القصة مثل ذلك

و ذكر الواقدي عن أشياخه قالوا: و كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم [ سميع عليم ] فيكتب [ عليم حكيم ] فيقرأه رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول: كذاك قال الله و يقرأه فافتتن و قال: ما يدري محمد ما يقوله إني لأكتب له ماشئت هذا الذي كتبت يوحى إلى كما يوحى إلى محمد و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا فأهدر رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه يوم الفتح فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان ـ و كان أخاه من الرضاعة ـ فقال: يا أخي إني و الله أستجير بك فاحبسني هاهنا و اذهب إلى محمد فكلمه في فإن محمدا إن رأني ضرب الذي فيه عيناي إن جرمي أعظم الجرم و قد جئت تائبا فقال عثمان: بل اذهب معي قال عبد الله: و الله لئن رآني ليضربن عنقي و لا ينظرني فقد أهدر دمي و أصحابه يطلبونني في كل موضع فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله فلم يرع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا عثمان آخذا بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح و اقفين بين يديه فأقبل عثمان على النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله أمه كانت تحملني و تمشيه و ترضعني و تفطمه و كانت تلطفني و تتركه فهبه لي فأعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم و جعل عثمان كلما أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام و إنما أعرض النبي صلى الله عليه و سلم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه فلما رأى أن لا يقوم أحد و عثمان قد أكب على رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبل رأسه و هو يقول: يا رسول الله بايعه فداك أبي و أمي فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ نعم ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله ] أو قال الفاسق فقال عباد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله فو الذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلى فأضرب عنقه و يقال: قال هذا أبو السير و يقال: عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إني لا أقتل بالإشارة ]

و قائل يقول: إن النبي صلى الله عليه و سلم قال يومئذ: [ إن النبي لا تكون له خائنة الأعين ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت