فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 322

ثم نعود إلى مقصود المسألة فنقول:

قد ثبت أن كل سب و شتم يبيح الدم فهو كفر و إن لم يكن كل كفر سبا و نحن نذكر عبارات العلماء في هذه المسألة:

قال الإمام أحمد: [ كل من شتم النبي عليه الصلاة و السلام أو تنقصه ـ مسلما كان أو كافرا ـ فعليه القتل و رأى أن يقتل و لا يستتاب ]

و قال في موضع آخر: [ كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه و تعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا و هذا مذهب أهل المدينة ]

و قال أصحابنا: التعريض بسب الله و سب رسوله صلى الله عليه و سلم ردة و هو موجب للقتل كالتصريح و لا يختلف أصحابنا أن قذف أم النبي صلى الله عليه و سلم من جملة سبه الموجب للقتل و أغلظ لأن ذلك يقضي إلى القدح في نسبه و في عبارة بعضهم إطلاق القول بأن من سب أم النبي عليه الصلاة و السلام يقتل مسلما كان أو كافرا و ينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف كما صرح به الجمهور لما فيه من سب النبي صلى الله عليه و سلم

و قال القاضي عياض: [ جميع من سب النبي صلى الله عليه و سلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به شبهة بشيء على طريق السب له و الإزراء عليه أو البغض منه و العيب له فهو سابله و الحكم فيه حكم الساب: يقتل و لا تستثن فضلا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد و لا تمتر فيه تصريحا كان أو تلويحا و كذلك من لعنه أو تمنى مضرة له أو دعا عليه أو نسب لإليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عيبه في جهته العزيزة بسخف من الكلام و هجر و منكر منن القول وزور أو عيره بشيء مما يجري من البلاء و المحنة عليه أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة و المعهود لديه ] قال: [ و هذا كله إجماع من العلماء و أئمة الفتوى من لدن أصحابه و هلم جرا ]

وقال ابن القاسم عن مالك: من سب النبي صلى الله عليه و سلم قتل و لم يستتب قال ابن القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق و قد فرض الله توقيره

و كذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه: [ من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا و لا يستتاب ]

و روى ابن وهب عن مالك أنه قال [ من قال إن رداء النبي صلى الله عليه و سلم ـ و روي برده ـ [ وسخ ] و أراد عيبه قتل ]

و روى بعض المالكية [ إجماع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة ]

و ذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم:

منها: رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه و سلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه و اللحية فقال: تريدون تعرفون صفته ؟ هذا المار في خلقه و لحيته ]

و منها: رجل قال: [ النبي صلى الله عليه و سلم أسود ]

و منها: رجل قيل له: [ لا و حق رسول الله ] فقال: فعل الله برسول الله كذا و كذا ثم قيل له: ما تقول يا عدو الله فقال أشد من كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب قالوا: لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل لأنه امتهان و هو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه و سلم و لا موقر له فوجبت إباحة دمه

و منها عشار قال: أدوا شك [ ؟ ] إلى النبي أو قال: إن سألت أوجهلت فقد سأل النبي و جهل

و منها: متفقة كان يستخف بالنبي صلى الله عليه و سلم و يسميه في أثناء مناظرته [ اليتيم و ختن حيدرة ] و يزعم أنه زهده لم يكن قصدا و لو قدر على الطيبات لأكلها و أشباه هذا

قال: فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا و تنقصا يجب قتل قائله و لم يختلف في ذلك متقدمهم و متأخرهم و إن اختلفوا في سبب حكم قتله

و كذلك قال أبو حنيفة و أصحابه فيمن تنقصه أو برئ منه أو كذبه: [ إنه مرتد ] و كذلك قال أصحاب الشافعي:[ كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم بما فيه استهانة فهو كالسب الصريح فإن الاستهانة بالنبي كفر و هل يتحتم قتله أو يسقط بالتوبة ؟ على الوجهين و قد نص الشافعي على هذا المعنى

فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم و هم في استتابته على ما تقدم من الخلاف و لا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعا له أو لا يقصد شيئا من ذلك بل يهزل و يمزح أو يفعل غير ذلك

فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبا فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق و المغرب و من قال ما هو سب و تنقص له فقد آذى الله و رسوله و هو مأخوذ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذى و إن لم يقصد أذاهم ألم تسمع إلى الذين قالوا: إنما كنا نخوض و نلعب فقال الله تعالى: { أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون ؟ لا تتعذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } [ التوبة: 66 ]

و هذا مثل من يغضب فيذكر له حديث عن النبي عليه الصلاة و السلام أو حكم من حكمه أو يدعى إلى سنته فيعلن و يقبح و نحو ذلك و قد قال تعالى: { فلا و ربك لا يؤمنون حتىيحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما } [ النساء: 65 ]

فأقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه ثم لا يجدوا في نفوسهم حرجا من حكمه فمن شاجر غيره في حكم و حرج لذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أفحش فيه منطقه فهو كافر بنص التنزيل و لا يعذر بأن مقصوده رد الخصم فإن الرجل لا يؤمن حتى يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما و حتى يكون الرسول أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين

و من هذا الباب قول القائل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله و قول الآخر: إعدل فإنك لم تعدل و قول ذلك الأنصاري: أن كان ابن عمتك فإن هذا كفر محض حيثزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما حكم للزبير لأنه ابن عمته و لذلك أنزل الله تعالى هذه الآية و أقسم أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه و إنما عفا عنه النبي عليه الصلاة و السلام كما عفا عن الذي قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله و عن الذي قال: إعدل فإنك لم تعدل و قد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أنه قتل رجلا لم يرض بحكم النبي عليه الصلاة و السلام فنزل القرآن بموافقته فكيف بمن طعن في حكمه ؟

و قد ذكر طائفة من الفقهاء ـ منهم ابن عقيل و بعض أصحاب الشافعي ـ أن هذا كان عقوبته التعزير ثم منهم من قال: لم يعزره النبي صلى الله عليه و سلم لأن التعزير [ غير ] واجب و منهم من قال: عفا عنه لأن الحق له و منهم من قال: عاقبه بأن أمر الزبير أن يسقى ثم يحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر و هذه أقوال ردية و لا يستريب من تأمل في أن هذا كان يستحق القتل بعد نص القرآن أن من هو بمثل حاله ليس بمؤمن

فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر و في الصحيحين عن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ و ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ] و لو كان هذا القول كفرا للزم أن يغفر الكفر و الكفر لا يغفر و لا يقال عن بدري: إنه كفر

فيقال: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب و لم يذكرها أكثر الرواة فيمكن أنها و هم كما وقع في حديث كعب و هلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدرا و كذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري و لكن الظاهر صحتها

فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر فلعلها كانت قبل بدر و سمي الرجل بدريا لأن عبد الله بن الزبير حدث بالقصة بعد أن صار الرجل بدريا

فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للزبير: [ اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ] فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه النبي صلى الله عليه و سلم ثم قال للزبير: [ اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار ] فقال الزبير: و الله لأني أحسب هذه الآية نزلت في ذلك { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } [ النساء: 65 ] متفق عليه

و في رواية البخاري من حديث عروة قال: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه و سلم حينئذ حقه و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له و للأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه و سلم استوعى رسول الله عليه الصلاة و السلام للزبير حقه في صريح الحكم و هذا يقوي أن القصة نتقدمة قبل بدر لأن النبي عليه الصلاة و السلام قضي في سيل مهزور أن الأعلى يسقي ثم حتى يبلغ الماء إلى الكعبين فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم وجه الحكم فيه و هذا القضاء ظاهر أنه متقدم من حين قدم النبي صلى الله عليه و سلم لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم و لعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء

و أيضا فإن هؤلاء الآيات قد ذكر غير واحد أن أولها نزل لما أراد بعض المنافقين أن يحاكم يهوديا إلى ابن الأشرف و هذا إنما كان قبل بدر لأن ابن الأشرف ذهب عقب بدر إلى مكة فلما رجع قتل فلم يستقر بعد بدر بالمدينة استقرار يتحاكم إليه فيه و إن كانت القصة بعد بدر فإن القائل لهذه الكلمة يكون قد تاب و استقر و قد عفا له النبي صلى الله عليه و سلم عن حقه فغفر له و المضمون لأهل بدر إنما هو المغفرة: إما بأن يستغفروا إن كان الذنب مما لا يغفر إلا بالاستغفار أو لم يكن كذلك إما بدون أن يستغفروا

ألا ترى قدامة بن مظعون ـ و كان بدريا ـ تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا } [ المائدة: 93 ] الآية حتى أجمع رأى عمر و أهل الشورى أن يستتاب هو و أصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا و إن لم يقروا به كفروا ثم إنه تاب و كاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر رضي الله عنه بأول سورة غافر فعلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة و أنهم مغفور لهم و إن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإن التوبة تجب ما قبلها

و إذا ثبت أن كل سب ـ تصريحا أو تعريضا ـ موجب للقتل فالذي يجب أن يعتني به الفرق بين السب الذي لا يقبل منه التوبة و الكفر الذي تقبل منه التوبة فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت