فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 322

الجواب الثاني: أن هذا ليس من السب الذي ينتقض به العهد لأنهم إنما أظهروا التحية الحسنة و السلام المعروف و لم يظهروا سبا و لا شتما و إنما حرفوا السلام تحريفا خفيا لا يظهر و لا يفطن له أكثر الناس و لهذا لما سلم اليهودي على النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ السام لم يعلم به أصحابه حتى أعلمهم و قال: [ إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم ] و عهدهم لا ينتقض بما يقولونه سرا من كفر أو تكذيب فإن هذا لا بد منه و كذلك لا ينتقض العهد بما يخفونه من السب و إنما ينتقض بما يظهرونه

و قد ذكر غير واحد أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه و سلم فيقولون: السام عليكم فيرد عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم [ و عليكم ] و لا يدري ما يقولون فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيا لعذبنا و استجيب فينا و عرف قولنا فدخلوا عليه ذات يوم و قالوا السام عليك ففطنت عائشة إلى قولهم و قالت: و عليكم السام و الذام و الداء و اللعنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ مه يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله و لا يحب الفحش و لا التفحش ] فقالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: و عليكم ]

فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يظهر له أنه سب و لذلك نهى عائشة عن التصريح بشتمهم و أمرها بالرفق بأن ترد عليهم تحيتهم فإن كانوا قد حيوا سيئة استجيب لنا فيهم و لم يستجب لهم فينا و لو كان ذلك من باب سبهم النبي صلى الله عليه و سلم و المسلمين الذي هو السب لكان فيه العقوبة و لو بالتعزير و الكلام

فلما لم يشرع رسول الله صلى الله عليه و سلم في مثل هذه التحية تعزيرا و نهى من أغلظ عليهم لأجلها علم أن ذلك ليس من السب الظاهر لكونهم أخفوه كما يخفي المنافقون نفاقهم و يعرفون في لحن القول فلا يعاقبون بمثل ذلك و سيأتي تمام الكلام إن شاء الله تعالى في ذلك

الجواب الثالث: أن قول أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم له ألا نقتله لما أخبرهم أنه قال السام عليكم دليل على أنه كان مستقرا عندهم قتل الساب من اليهود لما رأوه من قتل ابن الأشرف و المرأة و غيرهما فنهاهم النبي صلى الله عليه و سلم عن قتله و أخبرهم أن مثل هذا الكلام حقه أن يقابل بمثله لأنه ليس إظهارا للسب و الشتم من جنس ما فعلت تلك اليهودية و ابن الأشرف و غيرهما و إنما هو إسرار به كإسرار المنافقين بالنفاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت