و ذلك لأن الإيمان و النفاق أصله في القلب و إنما الذي يظهر من القول و الفعل فرع له دليل عليه فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه فلما أخبر سبحانه أن الذين يلزمون النبي صلى الله عليه و سلم و الذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق و فرع له و معلوم أنه إذا حصل فرع الشيء و دليله حصل أصله المدلول عليه فثبت أنه حيثما وجد ذلك كان صاحبه منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القول دليلا للنبي صلى الله عليه و سلم على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم و إن لم يكن دليلا من غيرهم ؟
قلنا: إذا كان دليلا للنبي صلى الله عليه و سلم الذي يمكن أن يغنيه الله بوحيه عن الاستدلال فأن يكون دليلا فأن يكون دليلا لمن لا يمكنه معرفة البواطن أولى و أحرى
و أيضا لو لم تكن الدلالة مطردة في حق كل من صدر منه ذلك القول لم يكن في الآية زجر لغيرهم أن يقول مثل هذا القول و لا كان في الآية تعظيم لذلك القول بعينه فإن الدلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه و إن كانت أمرا مباحا كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر و صاحب الثوب الأسود و نحو ذلك فلما دل القرآن على ذم عين هذا القول و الوعيد لصاحبه علم أنه لم تقصد به الدلالة على المنافقين بأعيانهم فقط بل هو دليل على نوع من المنافقين
و أيضا فإن هذا القول مناسب للنفاق: فإن لمز النبي صلى الله عليه و سلم و أذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا و أنه أولى به من نفسه و أنه لا يقول إلا الحق و لا يحكم إلا بالعدل و أن طاعته لله و أنه يجب على جميع الخلق تعزيره و توقيره و إذا كان دليلا على النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق
و أيضا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما أن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا و الأول باطل لأن الله يسبحانه قد ذكر في القرآن أنواع العصاة من الزاني و القاذف و السارق و المطفف و الخائن و لم يجعل ذلك دليلا على نفاق معين و لا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلا على النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك و إلا كان ترجيحا بلا مرجح فثبت أنه لابد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلا على النفاق و كل ما كان كذلك فهو كفر