فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 322

الطريقة الخامسة: أن ساب النبي عليه الصلاة و السلام يقتل حدا من الحدود لا مجرد الكفر و كل قتل وجب حدا لا لمجرد الكفر فإنه لا يسقط بالإسلام

و هذا دليل مبني على مقدمتين:

إحداهما: أنه يقتل لخصوص سب رسول الله عليه الصلاة و السلام المستلزم للردة و نقض العهد و إن كان ذلك متضما للقتل لعموم ما تضمنه من مجرد الردة و مجرد نقض العهد في بعض المواضع و الدليل على ذلك أنه قد تقدم أن النبي عليه الصلاة و السلام أهدر دم المرأة الذمية التي كانت تسبه عليه الصلاة و السلام عند الأعمى الذي كان يأوي إليها و لا يجوز ان يكون قتلها لمجرد نقض العهد لأن المرأة الذمية إذا انتقض عهدها فإنها تسترق و لا يجوز قتلها و لا يجوز قتل المرأة للكفر الأصلي إلا أن تقاتل و هذه المرأة لم تكن تقاتل و لم تكن معينة على قتال كما تقدم ثم إنها لو كانت تقاتل ثم أسرت صارت رقيقة و لم تقتل عند كثير من الفقهاء منهم الشافعي لا سيما إذا كانت رقيقة فإن قتلها يمتنع لكونها امرأة و لكونها رقيقة لمسلم فثبت أن قتلها كان لخصوص السب للنبي عليه الصلاة و السلام و أنه جناية من الجنايات الموجبة للقتل كما لو زنت المرأة الذمية أو قطعت الطريق على المسلمين أو قتلت مسلما أو كما لو بدلت دين الحق عند أكثر الفقهاء الذين يقتلون المرأة بل هذا أبلغ أنه ليس في قتل المرتدة من السنة المأثورة الخاصة في كتب السنن المشهورة مثل الحديث الذي في قتل السابة الذمية

يوضح ذلك أن بني قريظة نقضوا العهد و نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بأن تقتل مقاتلتهم و تسبى الذرية من النساء و الصبيان فقال النبي عليه الصلاة و السلام: [ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ]

ثم قتل النبي صلى الله عليه و سلم الرجال و استرق النساء و الذرية و لم يقتل من النساء إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين ففرق رسول الله عليه الصلاة و السلام بين الذرية التي لم يثبت في حقهم إلا مجرد انتقاض العهد و بين الذرية الذين نقضوا العهد بما يضر المسلمين

و هذه المرأة الذمية لم ينقض عهدها بأنها لحقت بدار الحرب و امتنعت عن المسلمين و إنما نقضت العهد بأن ضرت المسلمين و آذت الله و رسوله و سعت في الأرض فسادا بالصد عن سبيل الله و الطعن في دين الله كما فعلت المرأة الملقية للرحى فعلم أنها لم تقتل لمجرد انتقاض العهد و هي لم تكن مسلمة حتى يقال: إنها قتلت للردة و لا هي أيضا بمنزلة امرأة قاتلت ثم أسرت حتى يقال: تصير رقيقة بنفس السبى لا تقتل أو يقال: يجوز قتلها كما يجوز قتل الرجل فإذا أسلمت عصم الإسلام الدم و بقيت رقيقة لوجهين:

أحدهما: أن هذا السب الذي كانت تقوله لم تكن [ تقوله ] للمشركين و لا لعموم المسلمين حتى يقال: هو بمنزلة إعانة الكفار على القتال من كل وجه

الثاني: أنها لم تكن ممتنعة حين السب بل هي حين السب ممكنة مقدور عليها و حالها قبله و بعده سواء

فالسب و إن كان حرابا لكنه لم يصدر من ممتنعه أسرت بعد ذلك بل من امرأة ملتزمة للحكم بيننا و بينها العهد على الذمة و معلوم أن السب من الأمور المضرة بالمسلمين و أنه من أبلغ الفساد في الأرض لما فيه من ذل الإيمان و عز الكفر و إذا ثبت أنها لم يقتل للكفر و لا لنقض العهد و لا لحراب أصلي متقدم على القدرة عليها ثبت ان قتلها حد من الحدود و القتل الواجب حدا لا لمجرد الكفر لا يسقط بالإسلام كحد الزاني و القاطع و القاتل و غيرهم من المفسدين

و مما يقرر الأمر ان السب إما أن يكون حرابا أو جناية مفسدة ليست حرابا فإن كان حرابا فهو حراب من ذمي أو من مسلم و سعي في الأرض فسادا و الذمي إذا حارب و سعى في الأرض فسادا وجب قتله و إن أسلم بعد القدرة عليه حيث يكون حرابا موجبا للقتل و حراب هذه المرأة موجب للقتل كما جاءت به السنة و إن كانت جناية مفسدة ليست حرابا ـ و هي موجبة للقتل ـ قتلت أيضا بعد الأخذ بطريق الأولى كسائر الجنايات الموجبة للقتل و هذا كلام مقرر و مداره على حرف واحد و هو أن السب و إن كان من أعمال اللسان فقد دلت السنة بأنه بمنزلة الفساد و المحاربة بعمل الجوارح و أشد و لذلك قتلت هذه المرأة

و تمام ذلك ان قياس مذهب من يقول: [ إن الساب إذا قتل إنما يقتل لأنه نقض العهد ] أن لا يجوز قتل هذه بل لو كانت قد قاتلت باليد و اللسان ثم أخذت لم تقتل عنده فإذا دلت السنة على فساد هذا القول علم صحة القول الآخر إذ لا ثالث بينهما و لا ريب عند أحد أن من قتل لحدث أخذ به أوجب نقض عهده و لم يقتل لمجرد أن انتقض عهده فقط فإن قتله لا يسقط بالإسلام لأن فساد ذلك الحديث لا يزول بالإسلام

ألا ترى أن الجنايات الناقضة للعهد ـ مثل قطع الطريق و قتل المسلم و التجسس على المسلمين و الزنا بمسلمة و استكراهها على الفجور و نحو ذلك ـ إذا صدر من ذمي فمن قتله لنقض العهد قال: [ متى أسلم لم آخذه إلا بما يوجب القتل إذا فعله المسلم باقيا على إسلامه مثل أن يكون قد قتل في قطع الطريق فأقتله أو زنى فأحده أو قتل مسلما فأقيده لأنه بالإسلام صار بمنزلة المسلمين فلا يقتل كفرا ]

و من قال: [ أقتله لمحاربة الله و رسوله و سعيه في الأرض فسادا ] قال: أقتله و إن أسلم و تاب بعد أخذه كما أقتل المسلم إذا حارب ثم تاب بعد القدرة لأن الإسلام الطارئ لا يسقط الحدود الواجبة قبله لآدمي بحال و إن منع ابتداء وجوبها كما لو قتل ذمي ذميا أو قذفه ثم أسلم فإن حده لا يسقط و لو قتله أو قذفه ابتداء

لم يجب عليه قود و لا حد و لا يسقط ما كان منها لله إذا تاب بعد القدرة كما لو قتل في قطع الطريق فإنه لا يسقط عنه بالإسلام وفاقا فيما أعلم

و كذلك لو زنى ثم أسلم فإن حده القتل الذي كان يجب عليه قبل الإسلام عند أحمد و عند الشافعي حده حد المسلم فحد السب إن كان حقا لآدمي لم يسقط بالإسلام و إن كان حقا لله فليس هو حدا على الكفر الطارئ و المحاربة الأصلية كما دلت عليه السنة و لا على مجرد الكفر الأصلي بالاتفاق فيكون حد الله على محاربة موجبة كقتل المرأة و كل قتل وجب حدا على محاربة ذمية لم يسقط بالإسلام بعد القدرة بالاتفاق فإن الذمية إذا لم تقتل في المحاربة لم يقتلها من يقول: [ قتل الذمي المحارب إنما هو لنقض العهد ] و من قتلها كما دلت عليه السنة فلا فرق عنده في هذا الباب بين أن تسلم بعد القدرة أو لا تسلم

و اعلم أن من قال: [ إن هذه الذمية تقتل فإذا أسلمت سقط عنها القتل ] لم يجد هذا في الأصول نظير أن الذمية تقتل و هي في أيدينا و يسقط عنها القتل بالإسلام بعد الأخذ و لا أصلا يدل على المسألة و الحكم إذا لم يثبت بأصل و لا نظير كان تحكما من قال [ إنها تقتل بكل حال ] فله نظير نقيس به و هو المحاربة باليد و الزانية و نحوهما

الطريقة السادسة: الاستدلال من قتل بنت مروان و هو كالاستدلال من هذه القصة لأنا قد قدمنا أنها كانت من المهادنين الموادعين و إنما قتلت للسب خاصة و التقرير كما تقدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت