يبقى أن يقال: الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه و جوابه من و جوه:
أحدها: أن السيد له أن يقيم الحد على عبده بدليل قوله صلى الله عليه و سلم: [ أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ] و قوله: [ إذا زنت أمة أحدكم فليحدها ] و لا أعلم خلافا بين فقهاء الحديث أن له أن يقيم عليه الحد مثل حد الزنا و القذف و الشرب و لا خلاف بين المسلمين أن له أن يعززه و اختلفوا هل له أن يقيم عليه قتلا أو قطعا مثل قتله لردته أو لسبه النبي صلى الله عليه و سلم و قطعه للسرقة ؟ و فيه عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما: يجوز و هو المنصوص عن الشافعي و الأخرى: لا يجوز كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي و هو قول مالك و قد صح عن ابن عمر أنه قطع يد عبد له سرق و صح عن حفصة أنها قتلت جارية لها اعترفت بالسحر و كان ذلك برأى ابن عمر فيكون الحديث حجة لمن يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده بعلمه مطلقا و على هذا القول فالسيد له أن يقيم الحد على عبده بعلمه في المنصوص عن الإمام أحمد و هو إحدى الروايتين عن مالك و النبي صلى الله عليه و سلم لم يطلب من سيد الأمة بينة على سبه بل صدقه في قوله [ كانت تسبك و تشتمك ] ففي الحديث حجة لهذا القول أيضا
الوجه الثاني:: أن ذلك أكثر ما فيه أنه افتئات على الإمام و الإمام له أن يعفو عمن أقام حدا واجبا دونه
الوجه الثالث: أن هذا و إن كان حدا فهو قتل حربي أيضا فصار بمنزلة قتل حربي تحتم قتله و هذا يجوز قتله لكل أحد و على هذا يحمل قول ابن عمر في الراهب الذي قيل له أنه يسب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: [ لو سمعته لقتلته ]
الوجه الرابع: أن مثل هذا قد وقع على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل المنافق الذي قتله عمر بدون إذن النبي صلى الله عليه و سلم لما لم يرض بحكمه فنزل القرآن بإقراره و مثل بنت مروان التي قتلها ذلك الرجل حتى سماه النبي صلى الله عليه و سلم ناصرا لله و رسوله و ذلك أن من وجب قتله لمعنى يكيد به الدين و يفسده ليس بمنزلة من قتل لأجل معصيته من زنا و نحوه
الجواب السادس: أن الفقهاء قد اختلفوا في المرأة المقاتلة إذا أسرت هل يجوز قتلها ؟ و مذهب الشافعي أنها لا تقتل فلو كانت هذه إنما قتلت لكونها قد قاتلت لم يجز أن تقتل بعد الأسر عنده فلا يصح أن يورد هذا السؤال على أصله
الدليل الثالث: أن الساب لو صار بمنزلة الحربي فقط لكان دمه معصوما بأمان يعقد له أو ذمة أو هدنة و معلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم و النفر الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه و سلم إلى كعب بن الأشرف جاؤا إليه على أن يستلفوا منه و حادثوه و ماشوه و قد آمنهم على دمه و ماله و كان بينه و بينهم قبل ذلك عهد و هو يعتقد بقاءه ثم إنهم استأذنوه في أن يشموا ريح الطيب من رأسه فأذن لهم مرة بعد أخرى و هذا كله يثبت الأمان فلو لم يكن في السب إلا مجرد كونه كافرا حربيا لم يجز قتله بعد أمانه إليهم و بعد أن أظهروا له أنهم يؤمنون له و استئذانهم في إمساك يديه فعلم بذلك أن إيذاء الله و رسوله موجب للقتل لا يعصم منه و لا عهد و ذلك لا يكون إلا فيما أوجب القتل عينا من الحدود كحد الزنا وحد قطع الطريق وحد المرتد و نحو ذلك فإن عقد الأمان لهؤلاء لا يصح و لا يصيرون مستأمنين بل يجوز اغتيالهم و الفتك بهم لتعين قتلهم فعلم أن ساب النبي صلى الله عليه و سلم كذلك
يؤيد هذا ما ذكره أهل المغازي من قول النبي صلى الله عليه و سلم [ إنه لو قر كما قر غيره ما اغتيل و لكنه نال منا الأذى و هجانا بالشعر و لم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف ] فإن ذلك دليل على أن لا جزاء إلا القتل
الدليل الرابع: قوله صلى الله عليه و سلم إن كان ثابتا [ من سب نبيا قتل و من سب أصحابه جلد ] فأوجب القتل عينا على كل ساب و لم يخير بينه و بين غيره و هذا مما يعتمد في الدلالة إن كان محفوظا
الدليل الخامس: أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا الناس إلى قتل ابن الأشرف لأنه كان يؤذي الله و رسوله و كذلك كان يأمر بقتل من يسبه أو يهجوه إلا من عفا عنه بعد القدرة و أمره صلى الله عليه و سلم للايجاب فعلم وجوب قتل الساب و إن لم يجب قتل غيره من المحاربين و كذلك كانت سيرته لم يعلم أنه ترك قتل أحد من السابين بعد القدرة عليه إلا من تاب أو كان من المنافقين و هذا يصلح أن يكون امتثالا للأمر بالجهاد و إقامة الحدود فيكون على الإيجاب يؤيد أن في ترك قتله تركا لنصر الله و رسوله و ذلك غير جائز
الدليل السادس: أقاويل الصحابة فإنها نصوص في تعين قتله مثل قول عمر رضي الله عنه [ من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه ] فأمر بقتله عينا و مثل قول ابن عباس رضي الله عنه [ أيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه ] فأمر بقتل المعاهد إذا سب عينا و مثل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيما كتب به إلى المهاجر في المرأة التي سبت النبي صلى الله عليه و سلم [ لولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء لا يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد و معاهد فهو محارب غادر ] فبين أن الواجب كان قتلها عينا لولا فوات ذلك و لم يجعل فيه خيرة إلى الأمام و لا سيما و السابة امرأة و ذلك وحده دليل كما تقدم و مثل قول ابن عمر في الراهب الذي بلغه أنه يسب النبي صلى الله عليه و سلم: [ لو سمعته لقتلته ] و لو كان كالأسير الذي يخير فيه الإمام لم يجز لابن عمر اختيار قتله و هذا الدليل واضح
الدليل السابع: أن ناقض العهد بسب النبي صلى الله عليه و سلم و نحوه حاله أغلظ من حال الحربي الأصلي و خروجه عما عاهدنا عليه بالطعن في الدين و أذى الله و رسوله و مثل هذا يجب أن يعاقب عقوبة تزجر أمثاله عن مثل حاله و الدليل عليه قوله سبحانه و تعالى: { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة و هم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } [ الأنفال: 57 ] فأمر الله رسوله إذا صادف الناكثين للعهد في الحرب أن يشرد بهم غيرهم من الكفار بأن يفعل بهم ما يتفرق به أولئك و قال تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بدأوكم أول مرة } [ التوبة: 13 ] فحض على قتال من نكث اليمين و هم بإخراج الرسول و بدأ بنقض العهد و معلوم أن من سب الرسول صلى الله عليه و سلم فقد فعل ما هو أعظم من الهم بإخراج الرسول و بدأنا أول مرة ثم قال تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف صدور قوم مؤمنين و يذهب غيظ قلوبهم } [ التوبة: 15 ] فعلم أن تعذيب هؤلاء و إخزاءهم و نصر المؤمنين عليهم و شفاء صدورهم بالإنتقام منم و ذهاب غيظ قلوبهم مما أذوهم به أمر مقصود للشارع مطلوب في الدين و معلوم أن هذا المقصود لا يحصل ممن سب النبي صلى الله عليه و سلم و آذى الله تعالى و رسوله و عباده المؤمنين إلا بقتله لا يحصل بمجرد استرقاقه و لا بالمن عليه و المفاداة به
و كذلك أيضا تنكيل غيره من الكفار الذين قد يريدون إظهار السب لا يحصل على سبيل التمام إلا بذلك و لا يعارض هذا من نقض العهد في طائفة ممتنعة إذا أسرنا واحدا منهم لأن قتال أولئك و الظهور عليهم يحصل هذا المقصود بخلاف من كان في أيدينا قبل السب و بعده فإن لم يحدث فيه قتلا لم يحصل هذا المقصود
و جماع ذلك أن ناقض العهد لا بد له من قتال أو قتل إذ لا يحصل المقصود إلا بذلك و هذا الوجه و إن كان فيه عموم لكل من نقض العهد بالأذى لكن ذكرناه هنا لخصوص الدلالة أيضا فأنها تدل عموما و خصوصا