فهرس الكتاب
أحدها: أن دلائل قبول توبة المرتد مثل قوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله ـ إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا } [ آل عمران: 86 ] و قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه } [ النحل: 106 ] و نحوها ليس فيها إلا توبة من كفر بعد الإيمان فقط دون من انضم إلى كفره مزيد أذى و إضرار و كذلك سنة رسول الله عليه الصلاة و السلام إنما فيها قبول توبة من جرد الردة فقط و كذلك سنة الخلفاء الراشدين إنما تضمنت قبول توبة من جرد الردة و حارب بعد ارتداده كمحاربة الكافر الأصلي على كفره فمن زعم أن في الأصول ما يعم توبة كل مرتد سواء جرد الردة أو غلظها بأي شيء كان فقد أخطأ و حينئذ فقد قامت الأدلة على وجوب قتل الساب و أنه مرتد و لم تدل الأصول على أن مثله يسقط عنه القتل فيجب قتله بالدليل السالم عن المعارض
الثاني: أن الله سبحانه قال: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا أن الرسول حق و جاءهم البينات و الله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم و أولئك هم الضالون } [ آل عمران: 90 ] فأخبر سبحانه أن من ازداد كفرا بعد إيمانه لن تقبل توبته و فرق بين الكفر المزيد كفرا و الكفر المجرد في قبول التوبة من الثاني دون الأول فمن زعم أن كل كفر بعد الإيمان تقبل منه التوبة فقد خالف نص القرآن
و هذه الآية إن كان قد قيل فيها إن ازدياد الكفر المقام عليه إلى حين الموت و إن التوبة المنفية هي توبته عند الغرغرة أو يوم القيامة فلآية أعم من ذلك
و قد رأينا سنة رسول الله عليه الصلاة و السلام فرقت بين النوعين فقبل توبة جماعة من المرتدين ثم إنه أمر بقتل مقيس بن صبابة يوم الفتح من غير استتابة لما ضم إلى ردته قتل المسلم و أخذ المال و لم يتب قبل القدرة عليه و أمر بقتل العرنيين لما ضموا إلى ردتهم نحوا من ذلك و كذلك أمر بقتل ابن خطل لما ضم إلى ردته السب و قتل المسلم و أمر بقتل ابن أبي سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه و الافتراء
و إذا كان الكتاب و السنة قد حكما في المرتدين بحكمين و رأينا أن من ضر و آذى بالردة أذى يوجب القتل لم يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه و إن تاب مطلقا دون من بدل دينه فقط لم يصح القول بقبول توبة المرتد مطلقا و كان الساب من القسم الذي لا يجب أن تقبل توبته كما دلت عليه السنة في قصة ابن أبي سرح و لأن السب إيذاء عظيم للمسلمين أعظم عليهم من المحاربة باليد كما تقدم تقريره فيجب أن يتحتم عقوبة فاعله و لأن المرتد المجرد إنما نقتله لمقامه على التبديل فإذا عاود الدين الحق زال المبيح لدمه كما يزول المبيح لدم الكافر الأصلي بإسلامه و هذا الساب أتى من الأذى لله و رسوله ـ بعد المعاهدة على ترك ذلك ـ بما أتى به و هو لا يقتل لمقامه عليه فإن ذلك ممتنع فصار قتله كقتل المحارب باليد
و بالجملة فمن كانت ردته محاربة لله و رسوله بيد أو لسان فقد دلت السنة المفسرة للكتاب أنه من كفر كفرا مزيدا لا تقبل توبته منه