فإن قيل: فلم لم يقتلهم النبي عليه الصلاة و السلام مع علمه بنفاق بعضهم و قبل علانيتهم ؟
قلنا: إنما ذاك لوجهين:
أحدهما: أن عامتهم لم يكن ما يتكلمون به من الكفر مما يثبت عليهم بالبينة بل كانوا يظهرون الإسلام و نفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه و سلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها أو لا يحلفون و تارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة و الجهاد و استثقالهم للزكاة و ظهور الكراهة منهم لكثير من أحكام الله و عامتهم يعرفون في لحن القول كما قال الله { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ؟ و لو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن القول } [ محمد: 30 ]
فأخبر سبحانه أنه لو شاء لعرفهم رسوله بالسيماء في وجوههم ثم قال: { و لتعرفنهم في لحن القول } فأقسم أنه لابد أن يعرفهم في لحن القول و منهم من كان يقول القول أو يعمل العمل فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول و العمل منهم كما في سورة براءة و بينهم من كان المسلمون أيضا يعلمون كثيرا منهم بالشواهد و الدلالات و القرائن و الأمارات و منهم من لم يكن يعرف كما قال تعالى: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم } [ التوبة: 101 ] ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام و يحلفون أنهم مسلمون و قد اتخذوا أيمانهم جنة و إذا كانت هذه حالهم فالنبي عليه الصلاة و السلام لم يكن يقيم الحدود بعلمه و لا بخبر الواحد و لا بمجرد الوحي و لا بالدلائل و الشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينه أو لإقرار ألا ترى كيف أخبر عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا و كذا فهو للذي رميت به و جاءت به على النعت المكروه فقال: [ لولا الأيمان لكان لي و لها شأن ] و كان بالمدينة امرأة تعلن الشر فقال: [ لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها ] و قال للذين اختصموا إليه: [ إنكم تختصمون إلي و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ] فكان ترك قتلهم ـ مع كونهم كفارا ـ لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية
و يدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين و من المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه و زندقته أن يستتاب كالمرتد فإن تاب و إلا قتل و لم يبلغنا أنه استتاب واحدا بعينه منهم فعلم أن الكفر و الردة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتا يوجب أن يقتل كالمرتد و لهذا تقبل علانيتهم و نكل سرائهم إلى الله
فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه ؟ و لهذا قال عليه الصلاة و السلام: [ إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس و لا أشق بطونهم ] لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة و لما استؤذن أيضا في قتل رجل من المنافقين قال: [ أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ ] قيل: بلى قال [ أليس يصلي ؟ ] قيل: بلى قال: [ أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ]
فاخبر عليه الصلاة و السلام أنه نهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين و الصلاة ـ و إن ذكر بالنفاق و رمي به و ظهرت عليه دلالته ـ إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر الكفر
و كذلك قوله في الحديث الآخر: [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله ] معناه أني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام و أكل بواطنهم إلى الله و الزنديق و المنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر و قامت عليه بذلك بينة و هذا حكم بالظاهر لا بالباطن و بهذا الجواب يظهر فقه المسألة
الوجه الثاني: أنه عليه الصلاة و السلام كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم و قد بين ذلك حين قال: [ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ] و قال: [ إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب ] فإنه لو قتلهم بما يعلمه من كفرهم لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض و أحقاد و إنما قصده الاستعانة بهم على الملك كما قال: [ أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم ] و أن يخاف من يريد الدخول في الإسلام أن يقتل مع إظهاره الإسلام كما قتل غيره
و قد كان أيضا يغضب لقتل بعضهم قبيلته و أناس آخرون فيكون ذلك سببا للفتنة و اعتبر ذلك بما جرى في قصة عبد الله بن أبي لما عرض سعد بن معاذ بقتله خاصم له أناس صالحون و أخذتهم الحمية حتى سكتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد بين ذلك رسول الله عليه الصلاة و السلام لما استأذنه عمر في قتل ابن أبي قال أصحابنا: و نحن الآن إذا خفنا مثل ذلك كففنا عن القتل
فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص و العام أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام و ارتداد آخرين عنه و إظهار قوم من الحرب و الفتنة ما يربي فساده على فساد ترك قتل منافق و هذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا إلا في شيء واحد و هو أنه صلى الله عليه و سلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم
و الذي يبين حقيقة الجواب الثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم لما كان بمكة مستضعفا هو و أصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم و الصبر على أذى المشركين فلما هاجروا إلى المدينة و صار له دار عزة و منعة أمرهم بالجهاد و بالكف عمن سالمهم و كف يده عنهم لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل منافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب إذا رأوا أن بعض من دخل فيه يقتل و في مثل هذه الحال نزل قوله تعالى { و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم و توكل على الله و كفى بالله وكيلا } [ الأحزاب: 48 ]
و هذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرين و المنافقين له فلا يكافئهم عليه لما يتولد في مكافأتهم من الفتنة و لم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة و دخلت العرب في دين الله قاطبة ثم أخذ النبي عليه الصلاة و السلام في غزوة الروم و أنزل الله تبارك و تعالى سورة براءة و كمل شرائع الدين من الجهاد و الحج و الأمر بالمعروف فكان كمال الدين حين نزل قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم } [ المائدة: 3 ] قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشهر و لما نزلت براءة أمره الله بنبذ العهود التي كانت للمشركين و قال فيها: { يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم } [ التوبة: 73 ] و هذه ناسخة لقوله تعالى: { و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم } [ الأحزاب: 48 ] و ذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحد و لم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمدا يقتل أصحابه فأمره الله بجهادهم و الإغلاظ عليهم
و قد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية و نحوها و قال في الأحزاب: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا } الآية [ الآحزاب: 61 ] فعلم أنهم كانوا يفعلون أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها أقبلوا عليها في المستقبل لما أعز الله دينه و نصر رسوله
فحيث ما كان للمنافق ظهور و تخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه علمنا بآية: { دع أذاهم } [ الأحزاب: 48 ] كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم و الصفح و حيث ما حصل القوة و العز خوطبنا بقوله: { جاهد الكفار و المنافقين } [ التوبة: 73 ]
فهذا يبين أن الإمساك عن قتل من أظهر نفاقه بكتاب الله على عهد رسوله عليه الصلاة و السلام إذا لا نسخ بعده و لم ندع أن الحكم تغير بعده لتغير المصلحة من غير وحي نزل فإن هذا تصرف في الشريعة و تحويل لها بالرأي و دعوى أن الحكم المطلق كان لمعنى و قد زال و هو غير جائز كما قد نسبوا ذلك إلى من قال: [ إن حكم المؤلفة انقطع و لم يأت على انقطاعه بكتاب و لا سنة سوى ادعاء تغير المصلحة ]
و يدل على المسألة ما روى أبو إدريس قال: [ أتي علي رضي الله عنه بناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة العدول قال: فقتلهم و لم يستتبهم قال و أتي برجل كان نصرانيا و أسلم ثم رجع عن الإسلام قال: فسأله فأقر بما كان منه فاستتابه فتركه فقيل له: كيف تستتيب هذا و لم تستتب أولئك ؟ قال: إن هذا أقر بما كان منه و إن أولئك لم يقروا و جحدوا حتى قامت عليهم البينة فلذلك لم أستتبهم ] رواه الإمام أحمد
و روي عن أبي إدريس قال: أتي علي برجل قد تنصر فاستتابة فأبى أن يتوب فقتله و أتي برهط يصلون القبلة و هم زنادقة و قد قامت عليهم بذلك الشهود العدول فجحدوا و قالوا: ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم و لم يستتبهم ثم قال: أتدرون لم استتبت هذا النصراني ؟ استتبته لأنه أظهر دينه و أما الزنادقة الذي قامت عليهم البينة و جحدوني فإنما قتلهم لأنهم جحدوا و قامت عليهم البينة
فهذا من أمير المؤمنين علي بيان أن كل زنديق كتم زندقته و جحدها حتى قامت عليه البينة قتل و لم يستتب و أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقتل من جحد زندقته من المنافقين لعدم قيام البينة
و يدل على ذلك: قوله تعالى: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة ـ إلى قوله ـ و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا } [ التوبة: 102 ] فعلم أن من لم يعترف بذنبه كان من المنافقين و لهذا الحديث قال الإمام أحمد في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: [ ليست له توبة إنما التوبة لمن اعترف فأما من جحد فلا توبة له ] قال القاضي أبو يعلي و غيره: [ و إذا اعترف بالزندقة ثم تاب قبلت توبته ]
لأنه باعترافه يخرج عن حد الزندقة لأن الزنديق هو الذي يستبطن الكفر و لا يظهره فإذا اعترف به ثم تاب خرج عن حده فلهذا قبلنا توبته و لهذا لم يقبل علي رضي الله عنه توبة الزنادقة لما جحدوا
و قد يستدل على المسألة بقوله تعالى: { و ليست التوبة للذين يعملون السيئات } الآية [ النساء: 18 ] و روى الإمام أحمد بإسناده عن أبي العالية في قوله تعالى { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } [ النساء: 17 ] قال: هذه في أهل الإيمان { و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن } [ النساء: 18 ]
قال: هذه في أهل النفاق: { و لا الذين يموتون و هم كفار } [ النساء: 18 ] قال: هذه في أهل الشرك هذا مع أنه الراوي عن أصحاب محمد عليه الصلاة و السلام فيما أظن أنهم قالوا: كل من أصاب ذنبا فهو جاهل بالله و كل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب
و يدل على ما قال أن المنافق إذا أخذ ليقتل و رأى السيف فقد حضره الموت بدليل دخول مثل هذا في عموم قوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } [ البقرة: 180 ] و قوله تعالى: { بينكم إذا حضر أحدكم الموت } [ المائدة: 106 ] و قد قال حين حضره الموت: { إني تبت الآن } فليست له توبة كما ذكره الله سبحانه نعم إن تاب توبة صحيحة فيما بينه و بين الله لم يكن ممن قال: { إني تبت الآن } بل يكون ممن تاب عن قريب لأن الله سبحانه إنما نفى التوبة عمن حضره الموت و تاب بلسانه فقط و لهذا قال في الأول: { ثم يتوبون } و قال هنا: { إني تبت الآن } فمن قال: [ إني تبت ] قبل حضور الموت أو تاب توبة صحيحة بعد حضور أسباب الموت صحت توبته
و ربما استدل بعضهم بقوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده } الآيتين [ غافر: 84 ، 85 ] و بقوله تعالى: { حتى إذا أدركه الغرق } الآية [ يونس: 90 ] و قوله سبحانه: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها } الآية [ يونس: 98 ] فوجه الدلالة أن عقوبة الأمم الخالية بمنزلة السيف للمنافقين ثم أولئك إذا تابوا بعد معانيه العذاب لم ينفعهم فكذلك المنافق و من قال هذا فرق بينه و بين الحربي بأنا لا نقاتله عقوبة له على كفره بل نقاتله ليسلم فإذا أسلم فقد أتى بالمقصود و المنافق إنما يقاتل عقوبة لا ليسلم فإنه لم يزل مسلما و العقوبات لا تسقط بالتوبة بعد مجيء البأس و هذا كعقوبات سائر العصاة فهذه طريقة من يقتل الساب لكونه منافقا
و فيه طريقة أخرى و هي أن سب النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه موجب للقتل مع قطع النظر عن كونه مجرد ردة فإنا قد بينا أن موجب القتل و بينا أنه جناية غير الكفر إذا لو كان ردة محضة و تبديلا للدين و تركا له لما جاز للنبي عليه الصلاة و السلام العفو عمن كان يؤذيه كما لا يجوز العفو عن المرتد و لما قتل الذين سبوه و قد عفا عمن قاتل و حارب
و قد سذكرنا أدلة أخرى على ذلك فيما تقدم و لأن التنقص و السب قد يصدر عن الرجل مع اعتقاد النبوة و الرسالة لكن لما وجب تعزير الرسول و توقيره بكل طريق غلظت عقوبة من انتهك عرضه بالقتل فصار قتله حدا من الحدود لأن سبه نوع من الفساد في الأرض كالمحاربة باليد لا لمجرد كونه بدل الدين و تركه و فارق الجماعة و إذا كان كذلك لم يسقط بالتوبة كسائر الحدود غير عقوبة الكفر و تبديل الدين قال الله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفقوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } [ المائدة: 34 ]
فثبت بهذه الآية أن من تاب بعد أن قدر عليه لم تسقط عنه العقوبة و كذلك قال سبحانه: { و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسب نكالا من الله و الله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } [ المائدة: 39 ]
فأمر بقطع أيديهم جزاء على ما مضى و نكالا عن السرقة في المستقبل منهم و من غيرهم و أخبر أن الله يتوب على من تاب و لم يدرأ القطع بذلك لأن القطع له حكمتان: الجزاء و النكال و التوبة تسقط الجزاء و لا تسقط النكال فإن الجاني متى علم أنه إذا تاب لم يعاقب لم يردع ذلك الفساق و لم يزجرهم عن ركوب العظائم فإن إظهار التوبة و الإصلاح لمقصود حفظ النفس و المال سهل
و لهذا لم نعلم خلافا نعتمده أن السارق أو الزاني لو أظهر التوبة بعد ثبوت الحد عليه عند السلطان لم يسقط الحد عنه و قد رجم النبي عليه الصلاة و السلام ماعزا و الغامدية و أخبر بحسن توبتهما و حسن مصيرهما و كذلك لو قيل: [ إن سب النبي صلى الله عليه و سلم يسقط التوبة و تجديد الإسلام ] لم يردع ذلك الألسن عن انتهاك عرضه و لم يزجر النفوس عن استحلال حرمته بل يؤذيه الإنسان بما يريد و يصيب من عرضه ما شاء من أنواع السب و الأذى ثم يجدد إسلامه و يظهر إيمانه و قد ينال المرء من عرضه و يقع منه تنقض له و استهزاء ببعض أقواله أو أعماله و إن لم يكن منتقلا من دين إلى دين فلأنه [ لا ] يصعب على من هذه سبيله كلما نال من عرضه و استخف بحرمته أن يجدد إسلامه بخلاف الردة المجردة عن الدين فإن سقوط القتل فيها بالعود إلى الإسلام لا يوجب اجتراء الناس على الردة أو الانتقال عن الدين [ لأن الانتقال عن الدين ] لا يقع إلا عن شبهة قادحة في القلب أو شهود قامعة للعقل فلا يكون قبول التوبة من المرتد محرضا للنفوس على الردة و يكون ما يتوقعه من خوف القتل زاجرا له عن الكفر فإنه إذا أظهر ذلك لا يتم مقصوده لعلمه بأنه يجبر على العود إلى الإسلام و هنا من فيه استخفاف أو اجتراء أو سفاهة تمكن من انتقاص النبي صلى الله عليه و سلم و عيبه و الطعن عليه كلما شتم يجدد الإسلام و يظهر التوبة
و بهذا يظهر أن السب و الشتم يظهر الفساد في الأرض الذي يوجب الحد اللازم من الزنا و قطع الطريق و السرقة و شرب الخمر فإن مريد هذه المعاصي إذا علم أنه تسقط عنه العقوبة إذا تاب فعلها كلما شاء كذلك من يدعوه ضعف عقله أو ضعف دينه إلى الانتقاص برسول الله صلى الله عليه و سلم إذا علم أن التوبة تقبل منه أتى ذلك متى شاء ثم تاب منه و قد حصل مقصوده بما قاله كما حصل مقصود أولئك بما فعلوه بخلاف مريد الردة فإن مقصوده لا يحصل إلا بالمقام عليها و ذلك لا يحصل له إذا قتل إن لم يرجع فيكون ذلك رادعا له و هذا الوجه لا يخرج السب عن أن يكون ردة و لكن حقيقته أنه نوع من الردة يغلظ بما فيه من انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم كما قد تتغلظ ردة بعض الناس بأن ينضم إليها قتل و غيره فيتحتم القتل فيها دون الردة المجردة كما يتحتم القتل في قتل من قطع الطريق لغلظ الجرم و إن لم يتحتم قتل من قتل لغرض آخر فعوده إلى الإسلام يسقط موجب الردة المحضة و يبقى خصوص السب و لابد من إقامة حده كما أن توبة القاطع قبل القدرة عليه تسقط تحتم القتل و يبقى حق أولياء المقتول من القتل أو الدية أو العفو و هذه مناسبة ظاهرة و قد تقدم نص الشارع و تنبيهه على اعتبار هذا المعنى
فإن قيل: تلك المعاصي يدعو إلي الطيع مع صحة الاعتقاد فلو لم يشرع عنها زاجر لتسارعت النفوس إليها بخلاف سب رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن الطبع لا يدعو إليها إلا بخلل في الإعتقاد أكثر ما يوجب الردة فعلم أن مصدره أكثر ما يكون الكفر فيلزمه عقوبة الكافر و عقوبة الكافر مشروطة بعدم التوبة و إذا لم يكن إليه مجرد باعث طبعي لم يشرع ما يزجر عنه و إن كان حراما كالاستخفاف في الكتاب و الدين و نحو ذلك
قلنا: بل قد يكون إليه باعث طبعي غير الخلل ففي الاعتقاد من الكبر الموجب للاستخفاف ببعض أحواله و أفعاله و الغضب الداعي إلى الوقيعة فيه إذا خالف الغرض بعض أحكامه و الشهوة الحاملة على ذم ما يخالف الغرض من أموره و غير ذلك
فهذه الأمور قد تدعو الإنسان إلى نوع من السب له و ضرب من الأذى و الانتقاص و إن لم يصدر إلا مع ضعف الإيمان به كما أن تلك المعاصي لا تصدر أيضا إلا مع ضعف الإيمان و إذا كان كذلك فقبول التوبة ممن هذه حاله يوجب اجتراء أمثاله على أمثال كلماته فلا يزال العرض منهوكا و الحرمة مخفورة بخلاف قبول التوبة ممن يريد انتقالا عن الدين إما إلى دين آخر أو إلى تعطيل فإنه إذا علم أنه يستتاب على ذلك فإن تاب و إلا قتل لم ينتقل بخلاف ما إذا صدر السب عن كافر به ثم آمن به فإن علمه بأنه إذا أظهر السب لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف يردعه عن هذا السب إلا أن يكون مريدا للإسلام و متى أراد الإسلام فلإسلام يجب ما كان قبله فليس في سقوط القتل بإسلام الكافر من الطريق إلى الوقيعة في عرضه ما في سقوطه بتجديد إ سلام من يظهر الإسلام
و أيضا فإن سب النبي صلى الله عليه و سلم حق آدمي فلا يسقط بالتوبة كحد القذف و كسب غيره من البشر ثم من فرق بين المسلم و الذمي قال: المسلم قد التزم أن لا يسب و لا يعتقد سبه فإذا أتى ذلك أقيم عليه حده كما يقام عليه حد الخمر و كما يعزر على أكل لحم الميت و الخنزير و الكافر لم يلتزم تحريم ذلك و لا يعتقده فلا تجب عليه إقامة حده كما لا تجب عليه إقامة حد الخمر و لا يعزر على الميت و الخنزير
نعم إذا أظهره نقض العهد الذي بيننا و بينه فصار بمنزلة الحربي فنقتله لذلك فقط لا لكونه أتى حدا يعتقد بحرمته فإذا أسلم سقط عنه العقوبة على الكفر و لا عقوبة عليه لخصوص السب فلا يجوز قتله
و حقيقة هذه الطريقة أن سب النبي عليه الصلاة و السلام لما فيه من الغضاضة عليه يوجب القتل تعظيما لحرمته و تعزيرا له و توفيرا و نكالا عن التعرض له و الحد إنما يقام على الكافر فيما يعتقد تحريمه خاصة لكنه إذا أظهر ما يعتقد حله من المحرمات عندنا زجر عن ذلك و عوقب عليه كما إذا أظهر الخمر و الخنزير فإظهار السب إما أن يكون كهذه الأشياء كما زعمه بعض الناس أو يكون نقضا للعهد كمقاتلة المسلمين و على التقديرين فلإسلام يسقط تلك العقوبة بخلاف ما يصيبه المسلم مما يوجب الحد عليه و أيضا فإن الردة على قسمين: ردة مغلظة شرع القتل على خصوصها و كل منهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها و الأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين بل إنما تدل على القسم الأول كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد فيبقى القسم الثاني و قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه و لم يأت نص و لا إجماع لسقوط القتل عنه و القياس متعذر مع وجود الفرق الجلي فانقطع الإلحاق
و الذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب و لا سنة و لا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه بل الكتاب و السنة و الإجماع قد فرق بين أنواع المرتدين كما سنذكره و إنما بعض الناس يجعل برأيه الردة جنسا واحدا على تباين أنواعه و يقيس بعضها على بعض فإذا لم يكن معه عموم نطقي يعم أنواع المرتد لم يبق إلا القياس و هو فاسد إذا فارق الفرع الأصل بوصف له تأثير في الحكم و قد دل على تأثيره نص الشارع و تنبيهه و المناسبة المشتملة على المصلحة المعتبرة
و تقرير هذا من ثلاثة أوجه: