فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 322

فإن قيل: فلو سب واحدا من أولياء الله غير الأنبياء فقد بارز الله بالمحاربة فإنه إذا سبه فقد عاداه كما ذكرتم و إذا عاداه فقد بارز الله بالمحاربة كما نصه الحديث الصحيح و مع هذا لا يدخل في المحاربة

المذكورة في الآية فقد انتقض الدليل و ذلك يوجب صرف المحاربة إلى المحاربة باليد

قيل: هذا باطل من وجوه: أحدها أن ليس كل من سب غير الأنبياء يكون قد عاداهم إذ لا دليل يدل على ذلك و قد قال سبحانه و تعالى: { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ] بعد أن أطلق أنه من أذى الله و رسوله فقد لعنه الله في الدنيا و الآخرة فعلم أن المؤمن قد يؤذي بما اكتسب ويكون أذاه بحق كإقامة الحدود و الانتصار في الشتمة و نحو ذلك مع كونه وليا لله و كذا كان واجبا في بعض الأحيان أو جائزا لم يكن مؤذيه في تلك الحال عدوا له لأن المؤمن يجب عليه أن يوالى المؤمن و لا يعاديه و إن عاقبه عقوبة شرعية كما قال تعالى: { إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا } [ المائدة: 55 ] و قال تعالى: { و من يتول الله و رسوله والذين آمنوا } [ المائدة: 56 ]

الثاني: أن من سب غير رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد يكون مع السب مواليه من وجه آخر فإن سب المسلم إذا لم يكن بحق كان فسوقا و الفاسق لا يعادي المؤمنين بل يواليهم و يعتقد مع السب للمؤمن أنه يجب موالاته من وجه آخر أما سب النبي صلى الله عليه و سلم فإنه ينافي اعتقاد نبوته و يستلزم البراءة منه و المعاداة له لأن اعتقاد عدم نبوته ـ وهو يقول [ إنه نبي ] يوجب أن يعامل معاملة النبيين ـ و ذلك يوجب أبلغ العدوات له

الثالث: لو فرض أن سب غير النبي عداوة له لكن ليس أحد بعينه يشهد له أنه ولي لله شهادة توجب أن ترتب عليها الأحكام المبيحة للدماء بخلاف الشهادة للنبي بالولاية فإنها بعينه نعم لما كان الصحابة قد يشهد لبعضهم بالولاية خرج في قتل سابهم خلاف مشهور ربما نبينه إن شاء الله تعالى عليه

الرابع: أنه لو فرض أنه عادى وليا علم أنه ولي فإنما يدل على أنه بارز الله بالمحاربة و ليس فيه ذكر محاربة الله و رسوله و الجزاء المذكور في الآية إنما هو لمن حارب الله و رسوله و من سب الرسول فقد عاداه و من عاداه فقد حاربه و قد حارب الله أيضا كما دل عليه الحديث فيكون محاربا لله و رسوله و محاربة الله و رسوله أخص من محاربة الله و الحكم المعلق بالأخص لا يدل على أنه معلق بالأعم و ذلك أن محاربة الرسول تقتضي مشاقته على ما جاء به من الرسالة و ليس في معاداة ولي بعينه مشاقة في الرسالة بخلاف الطعن في الرسول

الخامس: أن الجزاء في الآية لمن حارب الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا و الطاعن في الرسول قد حارب الله و رسوله كما تقدم و قد سعى في الأرض فسادا كما سيأتي و هذا الساب للولي و إن كان قد حارب الله فلم يسع في الأرض فسادا لأن السعي في الأرض فسادا إنما يكون بافساد عام لدين الناس أو دنياهم و هذا إنما يتحقق في الطعن في النبي صلى الله عليه و سلم و لهذا لا يجب على الناس الإيمان بولاية الولي و يجب عليهم الإيمان بنبوة النبي

السادس: أن ساب الولي فرض أنه محارب لله و رسوله فخروجه من اللفظ العام لدليل أوجبه لا يوجب أن يخرج هذا الساب للرسول لأن الفرق بين العداوتين ظاهر و القول العام إذا خصت منه صورة لم تخص منه صورة أخرى لا تساويها إلا بدليل آخر

السابع: أن حمله على المحاربة باليد متعذر أيضا في حق الولي لأن من عاداه بيده لم يوجب ذلك أن يدخل في حكم الآية على الإطلاق ـ مثل أن يضربه و نحو ذلك ـ فلا فرق إذا في حقه بين المعاداة باليد و اللسان بخلاف النبي عليه الصلاة و السلام فإنه لا فرق بين أن يعاديه بيد أو لسان فإنه يمكن دخوله في الآية و ذلك مقرر الاستدلال كما تقدم

و إذا ثبت أن هذا الساب محارب لله و رسوله فهو أيضا ساع في الأرض فسادا لأن الفساد نوعان: فساد الدنيا من الدماء و الأموال و الفروج و فساد الدين و الذي يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم و يقع في عرضه يسعى ليفسد على الناس دينهم ثم بواسطة ذلك يفسد عليهم دنياهم سواء فرضنا أنه أفسد على أحد دينه أو لم يفسد لأنه سبحانه و تعالى إنما قال: { و يسعون في الأرض فسادا } [ المائدة: 33 ] قيل: إنه نصب على المفعول له أي و يسعون في الأرض للفساد و كما قال: { و إذا تولى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد } [ البقرة: 205 ] و السعي هو العمل و الفعل فمن سعى ليفسد أمر الدين فقد سعى في الأرض فسادا و إن خاب سعيه و قيل: إنه نصب على المصدر أو على الحال تقديره سعى في الأرض مفسدا كقوله:

{ و لا تعثوا في الأرض مفسدين } [ البقرة: 60 ] أو كما يقال: جلس قعودا و هذا يقال لكل من عمل عملا يوجب الفساد و إن لم يؤثر لعدم قبول الناس له و تمكينهم إياه بمنزلة قاطع الطريق إذا لم يقتل أحدا و لم يأخذ مالا على أن هذا العمل لا يخلو من فساد في النفوس قط إذا لم يقم عليه الحد

و أيضا فإنه لا ريب أن الطعن في الدين و تقبيح حال الرسول في أعين الناس و تنقيرهم عنه من أعظم الفساد كما أن الدعاء إلى تعزيره و توقيره من أعظم الصلاح و الفساد ضد الصلاح كما أن كل قول أو عمل يحبه الله فهو من الصلاح و كل قول أو عمل يبغضه الله فهو من الفساد قال سبحانه و تعالى: { و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف: 56 ]

يعني الكفر و المعصية بعد الإيمان و الطاعة لكن الفساد نوعان: لازم و هو مصدر فسد يفسد فسادا و متعد و هو اسم مصدر أفسد يفسد إفسادا كما قال تعالى: { سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد }

و هذا هو المراد هنا لأنه قال: { و يسعون في الأرض فسادا } [ المائدة: 33 ]

و هذا إنما يقال لمن أفسد غيره لأنه لو كان الفساد في نفسه فقط لم يقل سعى في الأرض فسادا و هذا إنما يقال في الأرض لما انفصل عن الإنسان كما قال سبحانه و تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب } [ الحديد: 22 ] و قال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم } [ فصلت: 53 ] و قال تعالى: { و في الأرض آيات للموقنين و في أنفسكم } [ الذاريات: 21 ]

و أيضا فإن الساب و نحوه انتهك حرمة الرسول و نقص قدره و آذى الله و رسوله و عباده المؤمنين و أجرأ النفوس الكافرة و المنافقة على اصطلام أمر الإسلام و طلب إذلال النفوس المؤمنة و إزالة عز الدين و إسفال كلمة الله و هذا من أبلغ السعي فسادا

و يؤيد ذلك أن عامة ما ذكر في القرآن من السعي في الأرض فسادا و الإفساد في الأرض فإنه قد عني به إفساد الدين فثبت أن هذا الساب محارب لله و رسوله ساع في الأرض فسادا فيدخل في الآية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت