فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 322

و قد ثبت عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قتل العرنيين من غير استتابة و أنه أهدر دم ابن خطل و مقيس بن صبابة و ابن أبي سرح من غير استتابة فقتل منهم اثنان و أراد من أصحابه أن يقتلوا الثالث بعد أن جاء تائبا

فهذه سنة النبي عليه الصلاة و السلام و خلفائه الراشدين و سائر الصحابة تبين لك أن من المرتدين من يقتل و لا يستتاب و لا تقبل توبته و منهم من يستتاب و تقبل توبته فمن لم يوجد منه إلا مجرد تبديل الدين و تركه و هو مظهر لذلك فإذا تاب قبلت توبته كالحارث بن سويد و أصحابه و الذين ارتدوا في عهد الصديق رضي الله عنه و من كان مع ردته قد أصاب ما يبيح الدم ـ من قتل مسلم و قطع الطريق و سب الرسول و الافتراء عليه و نحو ذلك ـ و هو في دار الإسلام غير ممتنع بفئة فإنه إذا أسلم يؤخذ بذلك الموجب للدم فيقتل للسب و قطع الطريق مع قبول إسلامه

هذه طريقة من يقتله لخصوص السب و كونه حدا من الحدود أو حقا للرسول فإنه يقول: الردة نوعان: ردة مجردة و ردة مغلظة و التوبة إنما هي مشروعة في الردة المجردة فقط دون الردة المغلظة و هذه ردة مغلظة و قد تقدم تقرير ذلك في الأدلة ثم الكلمة الوجيزة في الجواب أن يقال: جعل الردة جنسا واحدا تقبل توبة أصحابه ممنوع فلا بد له من دليل و لا نص في المسألة و القياس متعذر لوجود الفرق

و من يقتله لدلالة السب على الزندقة فإنه يقول: هذا لم يثبت إذ لا دليل يدل على صحة التوبة كما تقدم

و بهذا حصل الجواب عن احتجاجهم بقول الصديق و تقدم الجواب عن قول ابن عباس و أما استتابة الأعمى أم ولده فإنه لم يكن سلطانا و لم تكن إقامة الحدود واجبة عليه و إنما النظر في جواز إقامته للحد و مثل هذا لا ريب أنه يجوز له أن ينهى الساب و يستتيبه فإنه ليس عليه أن يقيم الحد و لا يمكنه أن يشهد به عند السلطان وحده فإنه لا ينفع و نظيره في ذلك من كان يسمع من المسلمين كلمات من المنافقين توجب الكفر فتارة ينقلها إلى النبي صلى الله عليه و سلم و تارة ينهى صاحبها و يخوفه و يستتيبه و هو بمثابة من ينهى من يعلم منه الزنا أو السرقة أو قطع الطريق عن فعله لعله يتوب قبل أن يرفع إلى السلطان و لو رفع قبل التوبة لم يسقط حده بالتوبة بعد ذلك

و أما الحجة الثانية فالجواب عنها من وجوه:

أحدها: أنه مقتول بالكفر بعد الإسلام و قولهم: [ كل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تقبل ]

قلنا: هذا ممنوع و الآية إنما دلت على قبول توبة من كفر بعد إيمانه إذا لم يزدد كفرا أما من كفر و زاد على الكفر فلم تدل الآية على قبول توبته بل قوله: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا } [ آل عمران: 90 ] قد يتمسك بها من خالف ذلك على أنه إنما استثنى من تاب و أصلح و هذا لا يكون فيمن تاب بعد أخذه و إنما استفدنا سقوط القتل عن التائب بمجرد توبته من السنة و هي إنما دلت على من جرد الردة مثل الحارث بن سويد و دلت على أن من غلظها كابن أبي سرح يجوز قتله بعد التوبة و الإسلام

الوجه الثاني: أنه مقتول لكونه كفر بعد إسلامه و لخصوص السب كما تقدم تقريره فاندرج في عموم الحديث مع كون السب مغلظا لجرمه و مؤكدا لقتله

الوجه الثالث: أنه عام و أنه قد خص منه تارك الصلاة و غيرها من الفرائض عند من يقتله و لا يكفره و خص منه قتل الباغي و قتل الصائل بالسنة و الإجماع فلو قيل [ إن السب موجب للقتل بالأدلة التي ذكرناها و هي أخص من هذا الحديث ] لكان كلاما صحيحا و أما من يحتج بهذا الحديث في الذمي إذا سب ثم أسلم فيقال له: هذا وجب قتله قبل الإسلام و النبي صلى الله عليه و سلم إنما يريد إباحة الدم بعد حقنة بالإسلام و لم يتعرض لمن وجب قتله ثم أسلم أي شيء حكمه و لا يجوز أن يحمل الحديث عليه فإنه إذا حمل على حل الدم بالأسباب الموجودة قبل الإسلام و بعده لزم من ذلك أن يكون الحربي إذا قتل أو زنى ثم شهد شهادتي الحق أن يقتل بذلك القتل و الزنا لشمول الحديث على هذا التقدير له و هو باطل قطعا لا يجوز أن يحمل على أن كل من أسلم لا يحل دمه إلا بإحدى الثلاث إن صدر عنه بعد ذلك لأنه يلزمه أن لا يقتل الذمي بقتل أو صدر منه قبل الإسلام

فعلم أن المراد أن المسلم الذي تكلم بالشهادتين يعصم دمه لا يبيحه بعد هذا إلا إحدى الثلاث ثم لو اندرج هذا في العموم لكان مخصوصا بما ذكرناه من أن قتله حد من الحدود و ذلك أن كل من أسلم فإن الإسلام يعصم دمه قلا يباح بعد ذلك إلا بإحدى الثلاث و يتخلف الحكم عن هذا المقتضي لمانع من ثبوت حد قصاص أو زنا أو نقض عهد فيه ضرر و غير ذلك و مثل هذا كثير في العمومات

و أما الآية على الوجهين الأولين فنقول: إنما تدل على [ أن ] من كفر بعد إيمانه ثم تاب و أصلح فإن الله غفور رحيم و نحن نقول بموجب ذلك أما من ضم إلى الكفر انتهاك عرض الرسول و الأفتراء عليه أو قتله أو قتل واحدا من المسلمين أو انتهك عرضه فلا تدل الآية على سقوط العقوبة عن هذا على ذلك و الدليل على ذلك قوله سبحانه: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا } [ آل عمران: 89 ] فإن التوبة عائدة إلى الذنب المذكور و الذنب المذكور هو الكفر بعد الإيمان و هذا أتى بزيادة على الكفر توجب عقوبة بخصوصها كما تقدم و الآية لم تتعرض للتوبة من غير الكفر

و من قال: [ هو زنديق ] قال: أنا لا أعلم أن هذا تاب ثم إن الآية إنما استثنى فيها من تاب و أصلح و هذا الذي رفع إلي لم يصلح و أنا لا أؤخر العقوبة الواجبة عليه إلا أن يظهر صلاحه نعم الآية قد تعم من فعل ذلك ثم تاب و أصلح قبل أن يرفع إلى الإمام و هذا قد يقول كثير من الفقهاء بسقوط العقوبة على أن الآية التي بعدها قد تشعر بأن المرتد قسمان: قسم تقبل توبته و هو من كفر فقط و قسم لا تقبل توبته و هو من كفر ثم ازداد كفرا قال سبحانه و تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم } [ آل عمران: 90 ]

و هذه الآية و إن كان قد تأولها أقوام على من ازداد كفرا إلى أن عاين الموت فقد يستدل بعمومها على هذه المسألة فقال: من كفر بعد إيمانه و ازداد كفرا بسب الرسول و نحوه لم تقبل توبته خصوصا من استمر به ازدياد الكفر إلى أن ثبت عليه الحد و أراد السلطان قتله فهذا قد يقال: إنه إزداد كفرا إلى أن رأى أسباب الموت و قد يقال فيه: { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ـ إلى قوله ـ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } [ غافر: 85 ] و أما قوله سبحانه و تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال: 38 ] فإنه يغفر لهم ما قد سلف من الآثام و أما من الحدود الواجبة على مسلم مرتد أو معاهد فإنه يجب استيفاؤها بلا تردد على أن سياق الكلام يدل أنها في الحربي

ثم نقول: الانتهاء إنما هو الترك قبل القدرة كما في قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ـ إلى قوله ـ أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } [ الأحزاب: 61 ] فمن لم يتب حتى أخذ فلم ينته

و يقال أيضا: إنما تدل الآية على أنه يغفر لهم و هذا مسلم و ليس كل من غفر له سقطت العقوبة عنه في الدنيا فإن الزاني أو السارق لو تاب توبة نصوحا غفر الله له و لا بد من إقامة الحدود عليه

و قوله صلى الله عليه و سلم: [ الإسلام يجب ما قبله ] كقوله: [ التوبة تجب ما قبلها ] ومعلوم أن التوبة بعد القدرة لا تسقط الحد كما دل عليه القرآن و ذلك أن الحديث خرج جوابا لعمرو بن العاص لما قال للنبي صلى الله عليه و سلم: أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي فقال: [ يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله و أن التوبة تهدم ما كان قبلها و أن الهجرة تهدم ما كان قبلها و أن الحج يهدم ما كان قبله ]

فعلم أنه عنى بذلك أنه يهدم الآثام و الذنوب التي سأل عمرو مغفرتها و لم يجر للحدود ذكر و هي لا تسقط بهذه الأشياء بالاتفاق و قد بين صلى الله عليه و سلم في حديث ابن أبي سرح أن ذنبه سقط بالإسلام و أن القتل إنما سقط عنه بعفو النبي صلى الله عليه و سلم كما تقدم و لو فرض أنه عام فلا خلاف أن الحدود لا تسقط عن الذمي بإسلامه و هذا منها كما تقدم

و أما قوله سبحانه و تعالى: { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } [ التوبة: 66 ] فالجواب عنها من وجوه:

أحدها: أنه ليس في الآية دليل على أن هذه الآية نزلت فيمن سب النبي صلى الله عليه و سلم و شتمه و إنما فيها أنها نزلت في المنافقين و ليس كل منافق يسبه و يشتمه فإن الذي يشتمه من أعظم المنافقين و أقبحهم نفاقا و قد ينافق الرجل بأن لا يعتقد النبوة و هو لا يشتمه كحال كثير من الكفار و لو أن كل منافق بمنزلة من شتمه لكان كل مرتد شاتما و لاستحالت هذه المسألة و ليس الأمر كذلك فإن الشتم قدر زائد على النفاق و الكفر على ما لا يخفى و قد كان ممن هو كافر من يحبه صلى الله عليه و سلم و يوده و يصطنع إليه المعروف خلق كثير و كان ممن يكف عنه أذاه من الكفار خلق كثير أكثر من أولئك و كان ممن يحاربه و لا يشتمه خلق آخرون بالآية تدل على أنها نزلت في منافقين غير الذين يؤذونه فإنه سبحانه و تعالى قال: { و منهم الذين يؤذون النبي ـ إلى قوله ـ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض و نلعب قل أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزؤن ؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين } [ التوبة: 66 ] فليس في هذا ذكر سب و إنما فيه ذكر استهزاء بالدين ما لا يتضمن سبا و لا شتما للرسول

و في هذا الوجه نظر كما تقدم في سبب نزولها إلا أن يقال: تلك الكلمات ليست من السب المختلف فيه و هذا ليس بجيد

الوجه الثاني: أنهم قد ذكروا أن المعفو عنه هو الذي استمع أذاهم و لم يتكلم و هو مخشي بن حمير هو الذي تيب عليه و أما الذين تكلموا بالأذى فلم يعف عن أحد منهم

يحقق هذا أن العفو المطلق إنما هو ترك المؤاخذة بالذنب و إن لم يتب صاحبه كقوله تعالى: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم } [ آل عمران: 155 ]

و الكفر لا يعفى عنه: فعلم أن الطائفة المعفو عنها كانت عاصية لا كافرة ـ إما بسماع الكفر دون إنكاره و الجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله أو بكلام هو ذنب و ليس هو كفرا أو غير ذلك ـ و على هذا فتكون الآية دالة على أنه لابد من تعذيب أولئك المستهزئين و هو دليل على أنه لا توبة لهم لأنهم من أخبر الله بأنه يعذب و هو معين امتنع أن يتوب توبة تمنع العذاب فيصلح أن يجعل هذا دليلا في المسألة

الوجه الثالث: أنه سبحانه و تعالى أخبر أنه لابد أن تعذب طائفة من هؤلاء إن عفا عن طائفة و هذا يدل عل أن العذاب واقع بهم لا محالة و ليس فيه ما يدل على وقوع العفو لأن العفو معلق بحرف الشرط فهو محتمل و أما العذاب فهو واقع بتقدير وقوع العفو معلق بحرف الشرط فهو محتمل و أما العذاب فهو واقع بتقدير وقوع العفو و هو بتقدير عدمه أوقع فعلم أنه لابد من التعذيب: إما عاما أو خاصا لهم و لو كانت توبتهم كلهم مرجوة صحيحة لم يكن كذلك لأنهم إذا تابوا لم يعذبوا

و إذا ثبت أنهم لا بد أن يعذبهم الله لم يجز القول بجواز قبول التوبة منهم و إنه يحرم تعذيبهم إذا أظهروها و سواء أراد بالتعذيب بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين لأنه سبحانه و تعالى أمر نبيه فيما بعد بجهاد الكفار و المنافقين فكان من أظهره عذب بأيدي المؤمنين و من كتمه عذبه الله بعذاب من عنده و في الجملة فليس في الآية دليل على أن العفو واقع و هذا كاف هنا

الوجه الرابع: أنه إن كان في هذه الآية دليل على قبول توبتهم فهو حق و تكون هذه التوبة إذا تابوا قبل أن يثبت النفاق عند السلطان كما بين ذلك قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض } [ الأحزاب: 61 ] الآيتين فإنها دليل على أن من لم ينته حتى أخذ فإنه يقتل و على هذا فلعله و الله أعلم عنى: { إن نعف عن طائفة منكم } [ التوبة: 66 ] و هم الذين أسروا النفاق حتى تابوا منه { نعذب طائفة } و هم الذين أظهروه حتى أخذوا: فتكون دالة على وجوب تعذيب من أظهره

الوجه الخامس: أن هذه الآية تضمنت أن العفو عن المنافق إذا أظهر النفاق و تاب أو لم يتب فذلك منسوخ بقوله تعالى: { جاهد الكفار و المنافقين } [ التوبة: 73 ] كما أسلفناه و بيناه

و يؤيده أنه قال: { إن نعف } و لم يبت و سبب النزول يؤيد أن النفاق ثبت عليهم و لم يعاقبهم النبي صلى الله عليه و سلم و ذلك كان في غزوة تبوك قبل أن تنزل براءة و في عقبها نزلت سورة براءة فأمر فيها بنبذ العهود إلى المشركين و جهاد الكفار و المنافقين

فالجواب عما احتج به منها من وجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت