و الدليل على أن المسلم يقتل من غير استتابة و إن أظهر التوبة بعد أخذه كما هو مذهب الجمهور قوله سبحانه: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب: 57 ]
و قد تقدم أن هذا يقتضي قتله و يقتضي تحتم قتله و إن تاب بعد الأخذ لأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله و رسوله و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات فإذا كانت عقوبة أولئك لا تسقط إذا تابوا بعد الأخذ فعقوبة هؤلاء أولى و أحرى لأن عقوبة كليهما على الأذى الذي قاله بلسانه لا على مجرد كفر هو باق عليه
و أيضا فإنه قال { لئن لم ينته المنافقون } إلى قوله { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } [ الأحزاب: 60 ] وهو يقتضي أن من لم ينته فإنه يؤخذ و يقتل فعلم أن الانتهاء العاصم ما كان قبل الأخذ
و أيضا فإنه جعل ذلك تفسيرا للعن فعلم أن الملعون متى أخذ قتل إذا لم يكن انتهى الأخذ و هذا ملعون فدخل في الآية
يؤيد ذلك ما قدمناه عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم } [ النور: 23 ] قال: هذه في شأن عائشة و أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة ليس فيها توبة ثم قرأ { و الذين يرمون المحصنات ثم يأتوا بأربعة شهداء } إلى قوله { إن الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا } [ النور: 4 ، 5 ] فجعل لهؤلاء توبة لم يجعل لأولئك توبة قال: فهم رجل أن يقول فيقبل رأسه من حسن ما فسر فهذا ابن عباس قد بين أن من لعن هذه اللعنة لا توبة له و اللعنة الأخرى أبلغ منها
يقرره أن قازف أمهات المؤمنين إنما استحق هذه اللعنة على قوله لأجل النبي صلى الله عليه و سلم فعلم أن مؤذيه لا توبة له
و أيضا قوله سبحانه { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا } الآية [ المائدة: 33 ]
و هذا الساب محارب لله و رسوله كما تقدم تقريره من أنه محاد لله و رسوله و أن المحاد لله و رسوله مشاق لله و رسوله محارب لله و رسوله و لأن المحارب ضد المسالم و المسالم الذي تسلم منه و يسلم منك و من آذاه لم يسلم منه فليس بمسالم فهو محارب و قد تقدم من غير وجه أن النبي عليه الصلاة و السلام سماه عدوا له و من عاداه فقد حاربه و هو من أعظم الساعين في الأرض بالفساد قال الله تعالى في صفة المنافقين: { و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون و ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون } [ البقرة: 12 ]
و كل ما في القرآن من ذكر الفساد ـ كقوله: { و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الاعراف: 56 ] و قوله: { و إذا تولى يسعى في الأرض ليفسد فيها ـ إلى قوله ـ و الله لا يحب الفساد } [ البقرة: 205 ] و غير ذلك ـ فإن السب داخل فيه فإنه أصل ـ كل فساد في الأرض إذا هو إفساد للنبوة التي هي عماد صلاح الدين و الدنيا و الآخرة
و إذا كان هذا الساب محاربا لله و رسوله ساعيا في الأرض بفساد وجب أن يعاقب بإحدى العقوبات المذكورة في الآية إلا أن يتوب قبل القدرة عليه و قد قدمناه الأذلة على أن عقوبته متعينة بالقتل كعقوبة من قتل قطع الطريق فيجب أن يقام ذلك عليه إلا أن يتوب قبل القدرة و هذا الساب الذي قامت عليه البينة ثم تاب بعد ذلك إنما تاب بعد القدرة فلا تسقط العقوبة عنه و لهذا كان الكافر الحربي إذا أسلم بعد الأخذ لم تسقط عنه العقوبة مطلقا كما قال النبي صلى الله عليه و سلم للعقيلي [ لو قلتها و أنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ] بل يعاقب بالاسترقاق أو يجوز الاسترقاق و غيره لكن هذا مرتد محارب فلم يكن استرقاقه كالعرنيين إذ المحاربة باللسان كالمحاربة باليد فتعين عقوبته بالقتال
و أيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم دلت من غير وجه على قتل الساب من غير استتابة فإنه أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة و قد ذكرنا أن ذلك يقتضي قتل الساب سواء أجرينا الحديث على ظاهره أو حملناه على من كذب عليه كذبا يشينه و كذلك في حديث الشعبي أنه أمر بقتل الذي طعن عليه في قسم مال العزى من غير استتابة
و في حديث أبي بكر لما استأذنه أبو بزرة أن يقتل الرجل الذي شتمه من غير استتابة قال: إنها لم تكن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فعلم أنه كان له قتل من شتمه من غير استتابة و عمر رضي الله عنه قتل الذي لم يرض بحكمه صلى الله عليه و سلم من غير استتابة أصلا فنزل القرآن بإقراره على ذلك و هو من أدنى أنواع الاستخفاف به فكيف بأعلاها ؟
و أيضا فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما طعن عليه و افترى افتراء عابه به بعد أن أسلم أهدر دمه و امتنع عن مبايعته و قد تقدم تقرير الدلالة منه على أن الساب يقتل و إن أسلم و ذكرنا أنه كان قد جاءه مسلما تائبا قد أسلم قبل مجيء إليه كما رويناه عن غير واحد أو قد جاء يريد الإسلام و قد فيقتله
و هذا نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته بل يجوز قتله و إن جاء تائبا و إن تاب و قد قررنا هذا فيما مضى ـ و هنا ـ من وجوه أخرى أن الذي عصم دمه عفو رسول الله صلى الله عليه و سلم عنه لا مجرد إسلامه و أن بالإسلام و التوبة انمحى الإثم و بعفو رسول الله صلى الله عليه و سلم احتقن الدم و العفو بطل بموته صلى الله عليه و سلم و ليس للأمة أن يعفوا عن حقه و امتناعه من بيعته حتى يقوم إليه بعض القوم فيقتله نص في جواز قتله و إن جاء تائبا
و أما عصمة دمه بعد ذلك فليس دليلا على أن نعصم دم من سب و تاب بعد أن قدرنا عليه لأنا قد بينا من غير وجه أن النبي صلى الله عليه و سلم قد كان يعفو عمن سبه ممن لا خلاف بين الأمة في وجوب قتله ذلك و تعذر عفو النبي صلى الله عليه و سلم عنه و قد ذكرنا أيضا حديث عبد الله بن خطل يدل على قتل الساب لأنه كان مسلما فارتد و كان يهجوه فقتل من غير استتابة
و أيضا فما تقدم من حديث المرفوع و أثر أبي بكر في قتل من آذاه في أزواجه و سراريه من غير استتابة و ما ذاك إلا لأجل أنه نوع الأذى و لذلك حرمه الله معلوم أن السب أشد أذى منه بدليل أن السب يحرم منه و من غيره و نكاح الأزواج لا يحرم إلا منه صلى الله عليه و سلم و إنما ذلك في تحريم ما يؤذيه و وجوب قتل من يؤذيه أي أذى كان من غير استتابة
و أيضا فإنه أمر بقتل النسوة اللاتي كن يؤذينه بألسنتهن بالهجاء مع أمانه لعامة أهل البلد و مع أن قتل المرأة لا يجوز إلا أن تفعل ما توجب القتل و لم يستتب واحدة منهن حين قتل من قتل و الكافرة الحربية من النساء لا تقتل أن لم يقاتل و المرتدة لا تقتل حتى تستتاب و هو هؤلاء النسوة قتلن من غير أن يقاتلن و لم يستتبن فعلم أن قتل من فعل مثل فعلهن جائز بدون استتابة فإن صدور ذلك عن مسلمة أو معاهدة أعظم من صدوره عن حربية
و قد بسطنا بعض هذه الدلالات فيما مضى بما أغنى عن إعادته هنا و ذكرنا أن السنة تدل على أن السب ذنب مقتطع عن عموم الكفر و هو من جنس المحاربة و التوبة التي تحقن دم المرتد إنما هي التربة عن الكفر فأما إن ارتد بمحاربة ـ مثل سفك الدم و أخذ المال كما فعل العرنيون و كما فعل مقيس ابن صبابة حيث قتل الأنصاري و استاق المال و رجع مرتدا ـ فهذا يتعين قتله كما قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيس ابن صبابة و كما قيل له في مثل العرينيين إنما جزاؤهم أن يقتلوا الآية [ المائدة: 33 ] فلذلك من تكلم بكلام من جنس المحادة و المحاربة لم يكن بمنزلة من ارتد فقط
و أيضا ما اعتمده الإمام أحمد من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فرقوا بين المرتد المجرد فقتلوا الأول من غير استتابة و استتابوا الثاني و أمروا باستتابته و ذلك أنه قد ثبت أنهم قتلوا سابه و قد تقدم ذكر بعض ذلك مع أنه قد تقدم عنهم أنهم كانوا يستتبون المرتد و يأمرون باستتابته فثبت بذلك أنهم كانوا لا يقتلون توبة من يسبه من المسلمين لأن توبته لو قبلت لشرعت استتابته كالمرتد فإنه على هذا القول نوع من المرتدين و من خص المسلم بذلك قال: لا يدل ذلك على أن الكافر الساب لا يسقط عنه إسلامه القتل فإن الحربي يقتل من غير استتابة مع أن إسلامه يسقط عنه القتل إجماعا و لم يبلغنا عن أحد من الصحابة أنه باستتابة الساب إلا ما روي عن ابن عباس و في إسناد الحديث عنه مقال و لفظه: [ أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه و سلم و هي ردة يستتاب فإن رجع و إلا قتل ]
و هذا ـ و الله أعلم ـ فيمن كذب بنبوة شخص من الأنباء و سبه بناء على أنه ليس بنبي ألا ترى إلى قوله[ فقد كذب برسول الله عليه الصلاة و السلام و لا ريب أن من كذب بنبوة بعض الأنبياء و سبه على ذلك ثم تاب قبلت توبته كمن كذب ببعض آيات القرآن فإن هذا أظهر أمره فهو كالمرتد أما من كان يظهر الإقرار بنبوة النبي ثم أظهر سبه فهذا هو مسألتنا
يؤيد هذا أنا قد روينا عنه أنه كان يقول: [ ليس لقاذف أزواج النبي عليه الصلاة و السلام توبة و قاذف غيرهن له توبة ] و معلوم أن ذلك رعاية لحق رسول الله عليه الصلاة و السلام فعلم أن مذهبه أن ساب النبي عليه الصلاة و السلام و قاذفه لا توبة له و أن وجه الرواية الأخرى عنه إن صحت ما ذكرناه أو نحوه
و أيضا فإن سبه أو شتمه ممن يظهر الإقرار بنبوته على فساد اعتقاده و كفره به بل هو دليل على الاستهانة به و الاستخفاف بحرمته فإن من وقر الإيمان به في قلبه موجب لإكرامه و إجلاله لم يتصور منه ذمه و سبه و التنقص به و قد كان من أقبح المنافقين نفاقا: من يستخف بشتم النبي عليه الصلاة و السلام كما روى عن ابن عباس قال: [ كان رسول الله عليه الصلاة و السلام جالسا في ظل حجرة من حجر نسائه في نفر من المسلمين قد كان تقلص عنهم الظل فقال: سيأتيكم إنسانا ينظر بعين شيطان فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه النبي عليه الصلاة و السلام فقال: علام تشتمني أنت و فلان و فلان ؟ دعاهم بأسمائهم فانطلق فجاء بهم ن فحلفوا له و اعتذروا إليه ] فأنزل الله تبارك و تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم } الآية [ التوبة: 96 ]
رواه أبو مسعود ابن الفرات و رواه الحاكم في صحيحه و قال: فأنزل الله تعالى { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له } الآية [ المجادلة: 18 ] و إذا ثبت أنه كافر به فإظهار الإقرار برسالته بعد ذلك لا يدل على زوال ذلك الكفر و الاستهانة لأن الظاهر إنما يكون دليلا صحيحا معتمدا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه فإذا قام دليل على الباطن لم يلتفت إلى الظاهر قد علم أن الباطن بخلافه