أحدها: ما رويناه من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث قال: ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: و قوله: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا } [ المائدة: 33 ] قال: [ كان القوم من أهل الكتاب بينهم و بين النبي صلى الله عليه و سلم عهد و ميثاق فنقضوا العهد و أفسدوا في الأرض ] فخير الله رسوله صلى الله عليه و سلم: إن شاء أن يقتل و إن شاء أن يصلب و إن شاء أن يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف
و أما النفي فهو أن يهرب في الأرض و فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قبل منه و لم يؤخذ بما سلف منه
ثم قال في موضع آخر و ذكر هذه الآية: من شهر السلاح في قبة الإسلام و أخاف السبيل ثم ظفر به و قدر عليه فأقام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله و إن شاء صلبه و إن شاء قطع يده و رجله ثم قال: { أو ينفوا من الأرض } يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب { فإن تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } [ المائدة: 34 ]
و كذلك روى محمد بن يزيد الواسطي عن جويبر عن الضحاك قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا } [ المائدة: 33 ] قال: [ كان ناس من أهل الكتاب بينهم و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم عهد و ميثاق فقطعوا الكيثاق و أفسدوا في الأرض فخير الله و رسوله أن يقتل إن شاء أو يصلب أو يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف ] [ و أما النفي فهو أن يهرب في الأرض و لا يقدر عليه فإن جاء تائبا داخلا في الإسلام قبل منه و لم يؤاخذ بما عمل ]
و قال الضحاك: [ أيما رجل مسلم قتل أو أصاب حدا أو مالا لمسلم فلحق بالمشركين فلا توبة له حتى يرجع فيضع يده في يد المسلمين فيقر بما أصاب قبل أن يهرب من دم أو غيره أقيم عليه أو أخذ منه ]
ففي هذين الأثرين أنها نزلت في قزم معاهدين من أهل الكتاب لما نقضوا العهد و أفسدوا في الأرض
و كذلك في تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ـ و إن كان لا يعتمد عليه إذا انفرد ـ أنها نزلت في قوم موادعين و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وادع هلال بن عويمر ـ و هو أبو بردة الأسلمي ـ ألا يعينه و لا يعين عليه و من أتاه من المسلمين فهو آمن أن يهاج و من أتى المسلمين منهم فهو آمن أن يهاج و من مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو آمن أن يهاج
قال فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من [ أسلم ] من قوم هلال بن عويمر و لم يكن هلال يومئذ شاهدا فنهدوا إليهم فقتلوهم و أخذوا أموالهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ن فنزل عليه جبريل بالقصة فيهم فقد ذكر أنها نزلت في قوم نعاهدين ن و لكن من غير أهل الكتاب
و روى عكرمة عن ابن عباس ـ و هو قول الحسن ـ أنها نزلت في المشركين و لعله أراد الذين نقضوا العهد كما قال هؤلاء فإن الكافر الأصلي لا ينطبق عليه حكم الآية
و الذي يحقق أن ناقض العهد بما يضر المسلمين داخل في هذه الآية من الأثر ما قدمناه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أتى برجل من أهل الذمة نخس بامرأة من المسلمين حتى وقعت فتجللها فأمر به عمر فقتل و صلب فكان أول مصلوب في الإسلام و قال: يا أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد عليه الصلاة و السلام و لا تظلموهم فمن فعل هذا فلا ذمة له و قد رواه عنه عوف بن مالك الأشجعي و غيره كما تقدم و روى عبد الملك بن حبيب بإسناده عن عياض بن عبد الله الأشعري قال: مرت امرأة تسير على بغل فنخس علج فوقعت من البغل فبدا بعض عوراتها فكتب بذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر: أن أصلب العلج في ذلك المكان فإنا لم نعاهدهم على هذا إنما عاهدناهم على أن يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون
و قد قال أبو عبد الله بن حنبل في مجوسي فجر بمسلمة:[ يقتل هذا نقض العهد و كذلك إن كان من أهل الكتاب يقتل أيضا قد صلب عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة هذا نقض العهد قيل له: ترى عليه الصلب مع القتل ؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر كأنه لم يعب عليه
فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: عمر و أبو عبيدة و عوف بن مالك و من كان في عصرهم من السابقين الأولين قد استحلوا قتل هذا و صلبه و بين عمر أنا لم نعاهدهم على مثل هذا الفساد و أن العهد انتقض بذلك فعلم انهم تأولوا فيمن نقض العهد بمثل هذا أنه من محاربة الله و رسوله و السعي في الأرض فسادا فاستحلوا لذلك قتله و صلبه و إلا فصلب مثله لا يجوز إلا لمن ذكره الله في كتابة
و قد قال آخرون ـ منهم ابن عمر و أنس بن مالك و مجاهد و سعيد بن جبير و عبد الرحمن بن و مكحول و قتادة و غيرهم رضي الله عنهم ـ إنها نزلت في العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام فقتلوا راعي النبي عليه الصلاة و السلام و استاقوا إبل رسول الله صلى الله عليه و سلم و حديث العرنيين مشهور ولا منافاة بين الحديثين فإن سبب النزول قد يتعدد مع كون اللفظ عاما في مدلوله و كذلك كان عامة العلماء على أن الآية عامة في المسلم و المرتد و الناقض كما قال الوازعي في الآية: [ هذا حكم حكمه الله في هذه الأمة على من حارب مقيما على الإسلام أو مرتدا عنه و فيمن حارب من الذمة ]
و قد جاءت آثار صحيحة عن علي و أبي موسى و أبي هريرة و غيرهم رضي الله عنهم تقتضي أن حكم هذه الآية ثابت فيمن حارب المسلمين بقطع الطريق و نحوه مقيما على إسلامه و لهذا يستدل جمهور الفقهاء من الصحابة و التابعين و من بعدهم على حد قطاع الطريق بهذه الآية
و المقصود هنا أن هذا الاناقض للعهد و المرتد عن الإسلام بما فيه الضرر داخل فيها كما ذكرنا دلائله عن الصحابة و التبعين و إن كان يدخل فيها بعض من هو مقيم على الإسلام و هذا الساب ناقض للعهد بما فيه ضرر على المسلمين و مرتد بما فيه ضرر على المسلمين فيدخل في الآية
و مما يدل على أنه قد عني بها ناقضو العهد في الجملة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نفي بني قينقاع و النضير لما نقضوا العهد إلى أرض الحرب و قتل بني قريظة و بعض أهل خيبر لما نقضوا العهد و الصحابة قتلوا و صلبوا بعض من فعل ما ينقض العهد من الأمور المضرة فحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم و خلفائه في أصناف ناقضي العهد كحكم الله في الآية ـ مع صلاحه لأن يكون امتثالا لأمر الله فيها دليل على أنهم مزادون منها