فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 322

فقد تلخص أن أصحابنا حكموا في الساب إذا تاب ثلاث روايات

إحداهن: يقتل بكل حال و هي التي نصروها كلهم و دل عليها كلام الإمام أحمد في نفس هذه المسألة و أكثر محققيهم لم يذكروا سواها

و الثانية: تقبل توبته مطلقا

و الثالثة: تقبل توبة الكافر و لا تقبل توبة المسلم و توبة الذمي التي تقبل إذا قلنا أن يسلم فأما إذا أقلع و طلب عقد الذمة له ثانيا لم يعصم ذلك دمه رواية واحدة كما تقدم

و ذكر أبو عبد الله السامري أن من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المسلمين فهل تقبل توبته ؟ على روايتين قال: و من سبه من أهل الذمة قتل و إن أسلم ذكره ابن أبي موسى فعلى ظاهر كلامه يكون الخلاف في المسلم دون الذمي عكس الرواية التي حكاها جماعة من الأصحاب و ليس الأمر كذلك فإن ابن أبي موسى قال:[ و من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم قتل و لم يستتب و من سبه من أهل الذمة قتل و إن أسلم فلم يذكر خلافا في شيء من ذلك كما دل عليه المأثور عن الإمام أحمد و كتاب أبي عبد الله السامري تضمن نقل أبي الخطاب و نقل ابن أبي موسى كما اقتضى شرطه ان يضمنه عدة كتب صغار فلما ذكر ما حكاه أبو الخطاب من الروايتين في المسلم و ما ذكره ابن أبي موسى في الذمي إذا أسلم ظهر نوع خلل و إلا فلا ريب أنا قبلنا توبة المسلم بإسلامه فتوبة الذمي بإسلامه أولى فإن كل ما يفرض في الكافر من غلظ السب فهو في المسلم و زيادة فإنهما يشتركان في أذى رسول الله صلى الله عليه و سلم و ينفرد سب المسلم بأنه يدل على زندقته و أن سابه منافق ظهر نفاقه بخلاف الذمي فإنه سب مستندا إلى اعتقاد و ذلك الاعتقاد زال بلإسلام

نعم قد يوجه ما ذكره السامري بأن يقال: [ السب قد يكون غلطا من المسلم لا اعتقادا ] فإذا تاب منه قبلت توبته إذ هو عثرة لسان و سوء أدب أو قلة علم و الذمي سبه أذى محض لا ريب فيه فإذا وجب الحد عليه لم يسقط بإسلامه كسائر الحدود و قد ينزع هذا إلى قول من يقول: إن السب لا يكون كفرا في الباطن إلا أن يكون استحلالا و هو قول مرغوب عنه كما سيأتي إن شاء الله

و اعلم أن أصحابنا ذكروا أنه لا تقبل توبته لأن الإمام أحمد قال: لا يستتاب و من أصله أن كل من قبلت توبته فإنه يستتاب كالمرتد و لهذا لما اختلفت الرواية عنه في الزنديق و الساحر و الكاهن و العراف و من ارتد و كان مسلم الأصل هل يستتابون أم لا ؟ على روايتين فإن قلنا: [ لا يستتابون ] قتلوا بكل حال و إن تابوا

و قد صرح في رواية عبد الله بأن من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وجب عليه القتل و لا يستتاب فتبين أن القتل قد وجب و ما وجب من القتل لم يسقط بحال

يؤيد هذا أنه قد قال في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل له: فإن أسلم ؟ قال: [ يقتل ] هذا قد وجب عليه فتبين أن الإسلام لا يسقط القتل الواجب و قد ذكر في الساب أنه قد وجب عليه القتل

و أيضا فإنه أوجب على الزاني بمسلمة بعد الإسلام القتل الذي وجب عقوبة على الزنا بمسلمة حتى إنه يقتله سواء كان حرا أو عبدا أو محصنا أو غير محصن كما قد نص عليه في مواضع و لم يسقط ذلك القتل بالإسلام و يوجب عليه مجرد حد الزنا لأنه أدخل على المسلمين من الضرر و المعرة ما أوجب قتله و نقض عهده فإذا أسلم لم تزل عقوبة ذلك الإضرار عنه كما لا تزول عنه عقوبة قطعة للطريق لو أسلم و لم يجز أن يقال: هو بعد الإسلام كمسلم فعل ذلك يفعل به ما يفعل بالمسلم لأن الإسلام يمنع ابتداء العقوبة و لا يمنع دوامها لأن الدوام أقوى كما لو قتل ذمي ذميا ثم أسلم قتل و لو قتله و هو مسلم لم يقتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت