قال الأموي: حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق و ذكره يونس بن بكير و البكائي و غيرهما عن ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة منصرفا من الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب في قتل رجال بمكة ممن كان يهجوه و يؤذيه
و لفظ يونس و البكائي: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه و يؤذيه و أن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى [ و هبيرة بن أبي وهب ] قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا و إن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض و كان كعب قد قال أبياتا نال فيها من رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى رويت و عرفت و كان الذي قال:
( ألا أبلغا عني بحيرا رسالة ...
فهل لك فيما قلت و يحك هل لكا )
( لتخبرني إن كنت لست بفاعل
... على أي شيء غير ذلك دلكا )
( على خلق لم تلق يوما أبا له
... عليه و لم تعرف عليه أبا لكا )
( فإن أنت لم تفعل فلست بفاعل
... و لا قائل إما عثرت لعا لكا )
( سقاك بها المأمون كأسا روية
... فأنهلك المأمون منها و علكا )
و إنما قال كعب [ المأمون ] لقول قريش لرسول الله صلى الله عليه و سلم [ الأمين ] الذي كانت تقوله له
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض و أشفق على نفسه و أرجف به من كان حاضره من عدوه فقالوا: هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدة يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم و يذكر فيها خوفه و إرجاف الوشاة به ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه و بينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به على رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صلى الصبح فلما صلى مع الناس أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: هذا هو رسول الله فقم إليه فذكر لنا أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضع يده في يده و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعرفه فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير استأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ نعم ] قال: أنا يا رسول الله كعب ابن زهير
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر أنه وثب عليه من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني و عدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ دعه عنك قد جاء تائبا نازعا ] قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم و ذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أنشد ابن إسحاق قصيدته المشهورة: [ بانت سعاد ] و فيها:
( أنبئت أن رسول الله أوعدني
... و العفو عند رسول الله مأمول )
( مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ...
فرقان فيه مواعيظ و تفصيل )
( لا تأخذي بأقوال الوشاة و لم
... أذنب و لو كثرت في الأقاويل )
و في حديث آخر: و ذلك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ندر دمه بقول بلغه عنه فقدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم مسلما و دخل مسجده و أنشد القصيدة فقد أخبر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب في قتل رجال بمكة لأجل هجائهم و أذاهم حتى فر من فر منهم إلى نجران ثم رجع ابن الزبعري تائبا مسلما و أقام هبيرة بنجرلان حتى مات مشركا ثم إنه أهدر دم كعب لما قاله مع أنه ليس من بليغ الهجاء لكونه طعن في دين الإسلام و عابه و عاب ما يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم إنه تاب قبل القدرة عليه و جاء مسلما و كان حربيا و مع هذا فهو يلتمس العفو و يقول:
( لا تأخذني بأقوال ... الوشاة و لم أذنب )
و من ذلك: ما نقل أنه كان يتوجه صلى الله عليه و سلم إلى قتل من يهجوه و يقول: [ من يكفيني عدوي ؟ ]
قال الأموي سعيد بن يحيى بن سعيد في مغازية: حدثنا أبي قال: أخبرني عبد الملك بن جريج عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلا من المشركين شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ من يكفيني عدوي ؟ ] فقام الزبير بن العوام فقال: أنا فبارزه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه و سلم سلبه و لا أحسبه إلا في خيبر حين قتل ياسر و رواه عبد الرزاق أيضا
و روى أن رجلا كان يسب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: [ من يكفيني عدوي ؟ ] فقال خالد: أنا فبعثه النبي صلى الله عليه و سلم إليه فقتله