و وجه الدلالة أن هذه المرأة لم تقتل إلا لمجرد أذى النبي صلى الله عليه و سلم و هجوه و هذا بين في قول ابن عباس: [ هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه و سلم فقال: من لي بها ] فعلم أنما ندب إليها لأجل هجوها و كذلك في الحديث الآخر [ فقال عمير حين بلغه قولها و تحريضها: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة لأقتلنها ] و في الحديث لما قال له قومه: [ أنت قتلتها ؟ ] فقال: [ نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فو الذي نفسي بيده لو قلتم جميعا ما قالت لضربتكم بسيفي حتى أموت أو أقتلكم ] فهذه مقدمة
و مقدمة أخرى أن شعرها ليس فيه تحريض على قتال النبي صلى الله عليه و سلم حتى يقال: التحريض على القتال قتال و إنما فيه نحريض على ترك دينه و ذم له و لمن اتبعه و أقصى غاية ذلك أن لا يدخل في الإسلام من لم يكن دخل أو أن يخرج عنه من دخل فيه و هذا شأن كل ساب
يبين ذلك أنها هجته بالمدينة و قد أسلم أكثر قبائلها و صار المسلم بها أعز من الكافر و معلوم أن الساب في مثل هذه الحال لا يقصد أن يقاتل الرسول و أصحابه و إنما يقصد إغاظتهم و أن لا يتابعوا
و أيضا فإنها لم تكن تطمع في التحريض على القتال فإنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن جميع قبائل الأوس و الخزرج لم يكن فيهم من يقاتل النبي صلى الله عليه و سلم بيد و لا لسان و لا كان أحد بالمدينة يتمكن من إظهار ذلك و إنما غاية الكافر أو المنافق منهم أن يثبط الناس عن أتباعه أو أن يعين على رجوعه من المدينة إلى مكة و نحو ذلك مما فيه تخذيل عنه و حض على الكفر به لا على قتاله على أن الهجاء إن كان من نوع القتال فيجب انتقاض العهد به و يقتل به الذمي فإنه إذا قاتل انتقض عهده لأن العهد اقتضى الكف عن القتال فإذا قاتل بيد أو لسان فقد فعل ما يناقض العهد و ليس بعد القتال غاية في نكث العهد
إذا تبين ذلك فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه و سلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى عليه و سلم لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس و الخزرج فإنه كان يسالمهم و يتألفهم بكل وجه ن و كان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن و هم الأكثرون و منهم الباقي على دينه و هو متروك لا يحارب و لا يحارب و هو و المؤمنون من قبيلته و حلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه و سلم على حلفهم
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة و ليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين إلا بني خطمة و بني واقف و بني وائل كانوا آخر الأنصار إسلاما و حول المدينة حلفاء الأنصار كانوا يستظهرون بهم في حربهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين من عادى الإسلام
و كذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان و ابن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله في قصة كعب بن الأشرف قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: [ إن ابن الأشرف كان شاعرا و كان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و يحرض عليهم كفار قريش في شعره ] و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة و أهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة و الحصون و منهم حلفاء للحيين جميعا الأوس و الخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ حين قدم المدينة ـ استصلاحهم كلهم و موادعتهم و كان الرجل يكون مسلما و أبوه مشركا و المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض
فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أقرهم كانت هذه المرأة من المعاهدين و كان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه يقول بلسانه ما ليس في قلبه و كان الإسلام و الإيمان يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن حتى لم يبق فيهم مظهر للكفر بل صاروا إما مؤمنا أو منافقا و كان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادعا مهادنا أو هو أحسن حالا من اليهود لما يرجى فيه من العصبية لقومه و أن يهوى هواهم و لا يرى أن يخرج عن جماعتهم و كان النبي صلى الله عليه و سلم يعاملهم ـ من الكف عنهم و احتمال أذاهم ـ بأكثر مما يعامل به اليهود لما كان يرجوه منهم و يخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم و هو في ذلك متبع قوله تعالى: { لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين اشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران: 186 ]
ثم إنه مع هذا ندب الناس إلى قتل المرأة التي هجته و قال فيمن قتلها: [ إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله و رسوله بالغيب فانظروا إلى هذا ] فثبت بذلك أن هجاءه و ذمه موجب للقتل غير الكفر و ثبت أن الساب يجب قتله و إن كان من الحلفاء و المعاهدين و يقتل في الحال التي يحقن فيها دم من ساواه في غير السب و لا سيما و لو لم تكن معاهدة فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل لأنه صلى الله عليه و سلم رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: [ ما كانت هذه لتقتاتل ] و نهى عن قتل النساء و الصبيان ثم إنه أمر يقتل هذه المرأة و لم تقاتل بيدها فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز و لا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات بل القرآن و ترتيب نزوله على أنه لم يبح قط لأن أول آية نزلت في القتال: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم } الآية [ الحج: 40 ] فأباح للمؤمنين القتال دفعا عن نفوسهم و عقوبة لمن أخرجهم من ديارهم و منعهم من توحيد الله و عبادته و ليس للنساء في ذلك حظ
ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقا و فسره بقوله: { و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } الآية [ البقرة: 190 ] فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله و النساء لسن من أهل القتال فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة فإما أن يقال [ هجاؤها قتال ] فهذا يفيدنا أن هجاء الذمي قتال فينقض العهد و يبيح الدم أو يقال [ ليس بقتال ] و هو الأظهر لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض على القتال و لا كان لها رأي في الحرب فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل بمنزلة قطع الطريق عليهم و نحو ذلك يفيد أن السب موجب للقتل بوجوه: