فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 322

يوضح ذلك أن الرسول له نعت البشرية و نعت الرسالة كما قال: { سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا } [ الاسراء: 93 ] فمن حيث هو بشر له أحكام البشر و من حيث هو رسول قد ميزه الله سبحانه و فضله بما خصه به فسبه موجب للعقوبة من حيث هو بشر كغيره من المؤمنين و موجب العقوبة من حيث هو رسول بما خصه الله به لكن إنما أوجب القتل من حيث هو رسول فقط لأن السب المتعلق بالبشرية لا يوجب قتلا و سبه من حيث هو رسول حق الله فقط فإذا أسلم الساب انقطع حكم السب المتعلق برسالته كما انقطع حكم السب المتعلق بالمرسل فسقط القتل الذي هو موجب ذلك السب و يبقى حق بشريته من هذا السب و حق البشرية إنما موجب جلد ثمانين

فمن قال: [ أنه يجلد لقذفه بعد إسلامه و يعزر لسبه لغير القذف ] قال: أن الإسلام يسقط حق الله و حق و حق الرسالة و يبقى حق خصوص الآدمية كغيره من الآدميين فيؤدب ساب جميع المؤمنين بعد إسلامه

و من قال: [ إنه لا يعاقب بشيء ] قال: هذا الحق اندرج في حق النبوة و انغمر في حق الرسالة فإن الجريمة الواحدة إذا أوجب القتل لم توجب معه عقوبة أخرى عند أكثر الفقهاء و لهذا اندرج حق المتعلق بالقتل و القذف في حق الآدمي فإذا عفي للجاني عن القصاص وحد القذف لم يعاقب على ما انتهكه من الحرمة كذلك اندرج هنا حق البشرية في حق الرسالة و في هذين الأصلين المقيس خلاف بين الفقهاء فإن مذهب مالك أن القاتل يعزره الإمام إذا عفا عنه ولي الدم

و عند أبي حنيفة إن حد القذف لا يسقط بالعفو و كذا تردد من قال: [ إن القتل يسقط بالإسلام ] هل يؤدي حدا أو تعزيرا القذف والسب ؟ و من قال هذا القول: قال: لا يستدل علينا بأن الصحابة قتلوا سابه أو أمروا بقتل سابه أو أرادوا قتل سابه من غير استتابة فإن الذمي إذ سبه لا يستتاب بلاد بلا تردد فإنه يقتل لكفره الأصلي كما يقتل الأسير الحربي و مثل ذلك لا يستتاب كاستتابة المرتد إجماعا لكن لو عصم دمه

كذلك يقول فيمن شتمه من أهل الذمة فإنه يقتل و لا يستتاب كأنه حربي آذى المسلمين و قد أسرنا فإنا نقتله فإن أسلم سقط عنه القتل

و كذلك أكثر نصوص مالك و أحمد نما هي أنه يقتل و لا يستتاب و هذا لا تردد فيه إذا سبه الذمي

و من قال: [ إن الذمي يستتاب ] فقد يقول: إنه قد لا يعلم أنه إذا أسلم سقط عنه القتل فيستتاب كما يستتاب المرتد و أولى فإن قتل الكفار قبل الإعذار إليهم و تبليغهم رسالات الله غير جائز

و من لم يستتاب قال: هذا هو مقياس لما جاء في الكتب في قتل كل كافر أصلي أسير و قد ثبت ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي صلى الله عليه و سلم و خلفاءه الراشدين كانوا يقتلون كثيرا من الأسى من غير عرض الإسلام عليهم و إن كانوا ناقضين للعهد و ذلك في قصة قريظة و خيبر ظاهر لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم بالسيرة فإن النبي صلى الله عليه و سلم أخذهم أسرى بعد أن نقضوا العهد و ضرب رقابهم من غير أن يعرض عليهم الإسلام و قد أمر بقتل ابن الأشرف من غير عرض الإسلام عليه و إنما قتله لأنه كان يؤذي الله و رسوله و قد نقض العهد

و من قال: [ إذا تاب بالعود إلى الذمة قبلت توبته أو خير الإمام فيه ] قال: أنه في هذه الحال بمنزلة حربي قد بذل الجزية عن يد و هو صاغر فيجب الكف عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت