فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 322

فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة و أمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه و سلم و عيبته فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها لأنه نسبة له إلى الدياثة و إظهار لفساد فراشه فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيما و لهذا جوز له الشارع أمن يقذفها إذا زنت و درأ الحد عنه باللعان و لم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال و لعل ما يلحق بعض الناس و الخزي بقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف و لهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى أن من قذف امرأة غير محصنة كالأمة و الذمية و لها زوج أو ولد محصن حد لقذفها لما ألحقه من العار بولدها و زوجها المحصنين

و الرواية الأخرى عنه ـ و هو قول الأكثرين ـ إنه لا حد عليه لأنه أذى لهما لا قذف لهما و الحد التام إنما يجب بالقذف و في جانب النبي صلى الله عليه و سلم أذاه كقذفه و من يقصد عيب النبي صلى الله عليه و سلم بعيب أزواجه فهو منافق و هذا معنى قول ابن عباس [ اللعنة في المنافقين عامة ]

و قد وافق ابن عباس على هذا جماعة فروى الإمام أحمد و الأشج عن خصيف قال: سألت سعيد بن خبير فقلت: الزنا أشد أو قذف المحصنة ؟ قال: لا بل الزنا قال: قلت: و إن الله تعالى يقول: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة } [ النور: 23 ] فقال: إنما كان هذا في عائشة خاصة

و روى أحمد بإسناده عن أبي الجوزاء في هذه الآية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة } [ النور: 23 ] قال: هذه لأمهات المؤمنين خاصة

و روى الأشج بإسناده عن الضحاك في هذه الآية قال: هن نساء النبي صلى الله عليه و سلم

و قال معمر عن الكلبي: إنما عني بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه و سلم فأما من رمى امرأة من المسلمين فهو فاسق كما قال تعالى أو يتوب و وجه هذا ما تقدم من أن لعنة الله في الدنيا و الآخرة لا تستوجب بمجرد القذف فتكون اللام في قوله: { المحصنات الغافلات المؤمنات } لتعريف المعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه و سلم لأن الكلام في قصة الإفك و وقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة أو تقصير اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك

و يؤيد هذا القول أن الله سبحانه و تعالى رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات و قال في أول السورة: { و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } الآية [ النور: 4 ] فرتب الجلد و رد الشهادة و الفسق على مجرد قذف المحصنات فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات و ذلك ـ و الله أعلم ـ لأن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين و هن أزواج نبيه في الدنيا و الآخرة و عوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان و لأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: { و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } [ النور: 11 ] فتخصصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم و قال: { و لولا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } [ النور: 14 ] فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف و إنما يمس متولي كبره فقط و قال هنا: { و لهم عذاب عظيم } فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين و يعيب بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم و تولى كبر الإفك و هذه صفة المنافق ابن أبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت