الطريقة الثامنة عشرة ـ و هي طريقة القاضي أبي يعلى ـ أن سب النبي عليه الصلاة و السلام يتعلق به حقان: حق الله و حق لآدمي
فأما حق الله فهو ظاهر وهو القدح في رسالته و كتابه و دينه
و أما حق الآدمي فظاهر أيضا فإنه أدخل المعرة على النبي عليه الصلاة و السلام بهذا السب و أنالة بذلك عضاضة و عارا
و العقوبة إذا تعلق فيها حق لآدمي لم يسقط بالتوبة كالحد في المحاربة فإنه يتحتم قتله ثم لو تاب قبل القدرة عليه سقط حق الله من انحتام القتل و الصلب و لم يسقط حق الآدمي من القود كذلك هنا
فإن قيل: المغلب هنا حق الله و لهذا لو عفا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك لم يسقط بعفوه
قلنا: قد قال القاضي أبو يعلى: في ذلك نظر على أنه إنما لم يسقط بعفوه لتعلق حق الله به فهو كالعدة إذا أسقط الزوج حقه منها لم يسقط لتعلق حق الله بها و لم هذا على أنه لا حق لآدمي فيها كذلك هنا فقد تردد القاضي أبو يعلى في جواز عفو النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الموضع و قطع في موضع آخر أنه كان له أن يسقط حق سبه لأنه حق له و ذكر في قوله الأنصاري للنبي عليه الصلاة و السلام [ أن كان ابن عمتك ] و قد عرض للنبي عليه الصلاة و السلام بما يستحق العقوبة و لم يعاقبه لأنه حمل قول النبي صلى الله عليه و سلم للزبير بأنه قضى له على الأنصاري للقرابة و في الرجل الذي أغلظ لأبي بكر و لم يعزره فقال القاضي: التعزير هنا وجب لحق آدمي و هو افتراؤه على النبي صلى الله عليه و سلم و على أبي بكر و له أن يعفو عنه و كذلك ذكر ابن عقيل عنه أن الحق كان النبي صلى الله عليه و سلم و له تركه و قال ابن عقيل: قد عرض هذا للنبي صلى الله عليه و سلم بما يقتضي العقوبة و التهجم على النبي صلى الله عليه و سلم فوجب التعزير لحق الشرع و دون أن يختصه في نفسه قال: و قد عزره النبي عليه الصلاة و السلام بحبس الماء عن زرعه و هو نوع ضرر و كسر لعرضه و تأخير لحقه و عندنا أن العقوبات بالمال باقية غير منسوجة و ليس يختص التعزير بالضرب في حق كل أحد
و قول ابن عقيل هذا تضمن ثلاثة أشياء: أحدها: أن القول إنما كان يوجب التعزير لا القتل
و الثاني: أن ذلك واجب لحق الشرع ليس له أن يعفو عنه
الثالث: أنه عزره بحبس الماء
و الثلاثة ضعيفة جدا و الصواب المقطوع به أنه كان له العفو كما دلت عليه الأحاديث السابقة لما ذكرناه من المعنى فيه و حينئذ فيكون ذلك مؤيدا لهذه الطريقة
و قد دل على ذلك ما ذكرناه من أن النبي صلى الله عليه و سلم عاقب من سبه و آذاه في الموضع الذي سقطت فيه حقوق الله نعم صار سب النبي عليه الصلاة و السلام سبا لميت و ذلك لا يسقط بالتوبة البتة
و على هذه الطريقة فالفرق بين سب الله و سب رسوله ظاهر فإن هناك الحق لله خاصة كالزنا و السرقة و شرب الخمر و هنا الحق لهما فلا يسقط لهما فلا يسقط حق الآدمي بالتوبة كالقتل في المحاربة