أما الأول فسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حرام بالكتاب و السنة
أما الأول فلأن الله سبحانه يقول { و لا يغتب بعضكم بعضا } [ الحجرات: 12 ] و أدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابا و قال تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } [ الهمزة: 1 ] و قال تعالى: { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ] و هم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } [ البقرة: 104 ] حيث ذكرت و لم يكتسبوا ما يوجب أذاهم لأن الله سبحانه رضي عنهم رضى مطلقا بقوله تعالى: { و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه } [ التوبة: 100 ] فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان و لم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان و قال تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } [ الفتح: 18 ] و الرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى و من رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا
و قوله تعالى: { إذ يبايعونك } سواء كان ظرفا محضا أو كانت ظرفا فيها معنى التعليل فإن ذلك لتعلق الرضى بهم فإنه يسمى رضى أيضا كما في تعلق العلم و المشيئة و القدرة و غير ذلك من صفات الله سبحانه و قيل: بل الظرف يتعلق بجنس الرضى و إنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه و يسخط عن الكافر بعد أن يعصيه و يحب من اتبع الرسول بعد اتباعه له و كذلك أمثال هذا و هذا قول جمهور السلف و أهل الحديث و كثيرا من أهل الكلام و هو الأظهر
و على هذا فقد بين في مواضع أخر أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى: { و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } [ التوبة: 100 ]
و قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ]
و أيضا فكل من أخبر الله عنه أنه رضي الله عنه فإنه من أهل الجنة و إن كان رضاه عنه بعد إيمانه و عمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه و المدح له فلو علم انه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك
و هذا كما في قوله تعالى: { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي } [ الفجر: 28 ] و لأنه سبحانه و تعالى قال: { لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } [ التوبة: 117 ] و قال سبحانه و تعالى: { و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه } [ الكهف: 28 ]
و قال تعالى: { محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } [ الفتح: 29 ] الآية و قال تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران: 110 ] { و كذلك جعلناكم أمة و سطا } [ البقرة: 134 ] و هم أول من و وجه بهذا الخطاب فهم مرادون بلا ريب و قال سبحانه و تعالى: { و الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } [ الحشر: 10 ]
فجعل سبحانه ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للمهاجرين و الأنصار و الذين جاؤوا من بعدهم مستغفرين للسابقين وداعين الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم فعلم أن الاستغفار لهم و طهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله و يرضاه و يثنى على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله في قوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات } [ محمد: 19 ] و قال تعالى: { فاعف عنهم و استغفر لهم } [ آل عمران: 159 ] و محبة الشيء كراهته لضده فيكون الله يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار و البغض لهم الذي هو ضد الطهارة و هذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: [ أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم ] رواه مسلم
و عن مجاهد عن ابن عباس قال: [ لا تسبوا أصحاب محمد إن الله قد أمر بالاستغفار لهم و قد علم أنهم سيقتتلون ] رواه الإمام أحمد
و عن سعد بن أبي وقاص قال: [ الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان و بقيت واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت قال: ثم قرأ: { للفقراء المهاجرين ـ إلى قوله ـ رضوانا } [ الحشر: 8 ] فهؤلاء المهاجرين و هذه منزلة قد مضيت: { و الذين تبوؤوا الدار و الإيمان من قبلهم ـ إلى قوله ـ و لو كان بهم خصاصة } [ الحشر: 9 ] قال: هؤلاء الأنصار و هذه منزلة قد مضيت ثم قرأ: { و الذين جاؤوا من بعدهم ـ إلى قوله ـ رحيم } [ الحشر: 10 ] قد مضيت هاتان و بقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت: أن تستغفروا لهم و لأن من جاز سبه بعينه أو بغيره لم يجز الاستغفار له
كما لا يجوز الاستغفار للمشركين لقوله تعالى: { ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [ التوبة: 113 ]
و كما لا يجوز أن يستغفر لجنس العاصين مسمين باسم المعصية لأن ذلك لا سبيل إليه و لأنه شرع لنا أن نسأل الله أن لا يجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا و السب باللسان أعظم من الغل الذي لا سب معه و لو كان الغل عليهم و السب لهم جائزا لم يشرع لنا أن نسأله ترك ما لا يضر فعله و لأنه وصف مستحقي الفيء بهذه الصفة كما وصف السابقين بالهجرة و النصرة فعلم أن ذلك صفة للمؤثر فيهم و لو كان السب جائزا لم يشترط في استحقاق الفيء ترك أمر جائز كما لا يشترط ترك سائر المباحات بل لو لم يكن الاستغفار لهم واجبا لم يكن شرطا في استحقاق الفيء لا يشترط فيه ما ليس بواجب بل هذا دليل على أن الاستغفار لهم داخل في عقد الدين و أصله
و أما السنة ففي الصحيحين [ عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم و لا نصيفه ]