بقي أن يقال: فقد كان من أهل الإفك مسطح و حسان و حمنة و لم يرموا بنفاق و لم يقتل النبي صلى الله عليه و سلم أحدا بذلك السبب بل قد اختلف في جلدهم
و جوابه: أن هؤلاء لم يقصدوا أذى النبي صلى الله عليه و سلم و لم يظهر منهم دليل على أذاه بخلاف ابن أبي الذي إنما كان قصده أذاه لم يكن إذ ذاك قد ثبت عندهم أن أزواجه في الدنيا هن أزواج له في الآخرة و كان وقوع ذلك من أزواجه ممكنا في العقل و لذلك توقف النبي صلى الله عليه و سلم في القصة حتى استشار عليا و زيدا و حتى سأل بريرة فلم يحكم بنفاق من لم يقصد أذى النبي صلى الله عليه و سلم لإمكان أن يطلق المرأة المقذوفة فأما بعد أن ثبت أنهن أزواجه في الآخرة و أنهن أمهات المؤمنين فقذفهن أذى له بكل حال و لا يجوز ـ مع ذلك ـ أن تقع منهن فاحشة لأن في ذلك جواز أن يقيم الرسول مع امرأة بغي و أن تكون أم المؤمنين موسومة بذلك و هذا باطل و لهذا قال سبحانه: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين } [ النور: 17 ] و سنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب كلام الفقهاء فيمن قذف نساءه و أنه معدود من أذاه
الوجه الثاني: أن الآية عامة قال الضحاك: قوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } [ النور: 23 ] يعني به أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة و يقول آخرون: يعني أزواج المؤمنين عامة
و قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قذف المحصنات من الموجبات ثم قرأ: { إن الذين يرمون المحصنات } الآية [ النور: 23 ] و عن عمرو بن قيس قال: قذف المحصنة يحبط عمل تسعين سنة رواهما الأشج و هذا قول كثير من الناس و وجه ظاهر الخطاب فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه إذ لا موجب لخصوصه و ليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم داخل في العموم و ليس هو من السبب و لأنه لفظ جمع و السبب في واحدة و لأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك و علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه و الفرق بين الآيتين أنه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد و رد الشهادة و التفسيق و هنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه و هي اللعنة في الدارين و العذاب العظيم