فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 322

الطريقة الثانية و العشرون: أنه سب لمخلوق لم يعلم عفوه فلا يسقط بالإسلام كسب سائر المؤمنين و أولى فإن الذمي لو سب مسلما أو معاهدا ثم أسلم لعوقب على ذلك بما كان يعاقب به قبل أن يسلم فكذلك إذا سب الرسول و أولى و كذلك يقال في المسلم إذا سبه

تحقيق ذلك أن القذف و الشاتم إذا قذف إنسانا فرفعه إلى السلطان فتاب كان له أن يستوفي منه الحد إنما وجب لما ألحق به من العار و الغضاضة فإن الزنا أمر يستخفى منه فقذف المرء به يوجب تصديق كثير من الناس به و هو من الكبائر التي لا يساويها غيرها في العار و المنقصة إذا تحقق و لا يشبهه غيره في لحوق العار إذا لم يتحقق فإنه إذا قذفه بقتل كان الحق لأولياء المقتول و لا يكاد يحلو غالبا من ظهور كذب الرامي به أو براءة المرمي به من الحق ـ بإبراء أهل الحق أو بالصلح أو بغير ذلك ـ على وجه لا يبقى عليه عار و كذلك الرمي بالكفر فإن ما يظهره من الإسلام يكذب هذا الرامي به فلا يضر إلا صاحبه و رمي الرسول صلى الله عليه و سلم بالعظائم يوجب إلحاق العار به العضاضة لأنه بأي شيء رماه من السب كان متضمنا للطعن في النبوة و هي وصف خفي فقد يؤثر كلامه أثرا في بعض النفوس فتوبته بعد أخذه قد يقال: إنما صدرت عن خوف و تقية فلا يرتفع العار و الغضاضة الذي لحقه كما لا يرتفع العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القازف التوبة و لذلك كانت توبته توجب زوال الفسق عنه وفاقا و توجب قبول شهادته عند أكثر الفقهاء و لا يسقط الحد الذي للمقذوف فكذلك شاتم الرسول

فإن قيل: ما أظهره الله لنبيه من الآيات و البراهين المحققة لصدقه في نبوته تزيل عار هذا السب و تبين أنه مبرأ بخلاف المقذوف بالزنا

قيل: فيجب على هذا أن لو قذفه أحد بالزنا في حياته أن لا يجب عليه حد قذف و هذا ساقط و كان يجب على هذا أن لا يعبأ بمن يسبه و يهجوه بل يكون من يخرج عن الدين و العهد بهذا و بغيره على حد واحد و هو خلاف الكتاب و السنة و ما كان عليه السابقون و يجب إذا قذف رجل سفيه معروف بالسفه و الفرية من هو مشهور عند الخاصة و العامة بالعفة مشهود له بذلك أن لا يحد و هذا كله فاسد

و ذلك لأن مثل هذا السب و القذف لا يخاف من تأثيره في قلوب أولي الألباب و إنما يخاف من تأثيره في عقول ضعيفة و قلوب مريضة ثم سمع العلم بكذبه له من غير نكير يصغر الحرمة عنده و ربما طرق له شبهة و شك فإن القلوب سريعة التقلب

و كما أن حد القذف شرع صونا للعرض من التلطخ بهذه القاذورات و سترا للفاحشة و كتما لها فشرع ما يصون عرض الرسول من التلطخ بما قد ثبت أنه برئ منه أولى و ستر الكلمات التي أوذي بها في نيل منه فيها أولى لما في ذكرها من تسهيل الاجتراء عليه إلا أن حد هذا السب و القذف لا لقتل لعظم موقعه و قبح تأثيره فإنه لو لم يؤثر إلا تحقيرا لحرمته أو فساد قلب واحد أو إلقاء في قلب كان بعض ذلك يوجب القتل بخلاف عرض الواحد من الناس فإنه لا يخاف منه مثل هذا و سيجيء الجواب عما يتوهم فرقا بين سب النبي صلى الله عليه و سلم و سب غيره في سقوط حده بالتوبة دون حد غيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت