فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 322

فقد جمع لابن الأشرف ذنوب: أنه رثى قتلى قريش و خصهم على محاربة النبي صلى الله عليه و سلم و واطأهم على ذلك و أعانهم على محاربته بإخباره أن دينهم خير من دينه ز هجا النبي صلى الله عليه و سلم و المؤمنين

قلنا: الجواب من وجوه:

أحدهما: أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة و قال ما قال هناك و إنما ندب إلى قتله لما قدم و هجاه كما جاء ذلك مفسرا في حديث جابر المتقدم بقوله: [ ثم قدم المدينة معلنا لعداوة النبي صلى الله عليه و سلم ] ثم أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع و أن النبي صلى الله عليه و سلم حينئذ ندب إلى قتله

و كذلك في حديث موسى بن عقبة [ من لنا من ابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا و هجائنا ؟ ]

و يؤيد ذلك شيئان:

أحدهما: أن سفيان بن عتبة روى عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: [ جاء حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب و أهل العلم فأخبرونا عنا و عن محمد فقالوا: ما أنتم و ما محمد ؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام و ننحر الكوماء و نسقي الماء على اللبن و نفك العناة و نسقي الحجيج و محمد صنبور قطع أرحامنا و اتبعه سراق الحجيج بنو غفار فنحن خير أم هو ؟ فقالوا: بل أنتم خير و أهدى سبيلا فأنزل الله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } لإلى قوله: { أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء: 52 ]

و كذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف و حيي ابن أخطب رجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشا في الموسم فقال لهما المشركون: نحن أهدى أم محمد و أصحابه ؟ فإنا أهل السدانة و أهل السقاية و أهل الحرم فقالا: أنتم أهدى من محمد و أصحابه و هما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد و أصحابه فأنزل الله تعالى فيهم: { أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء: 52 ] فلما رجعا إلى قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا و كذا قالا: صدق و الله ما حملنا على ذلك إلا حسده و بغضه

و هذان مرسلان من وجهين مختلفين فيهما أن كلا الرجلين ذهبا إلى مكة و قالا ما قالا ثم إنهما قدما فندب النبي صلى الله عليه و سلم إلى قتل ابن الأشرف و أمسك عن ابن أخطب حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي صلى الله عليه و سلم فلحق بخيبر ثم جمع عليه الأحزاب فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم فعلم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجب للندب إلى قتل ابن الأشرف و إنما هو ما اختص به ابن الأشرف من الهجاء و نحوه و إن كان ما فعله بمكة مؤيدا عاضدا لكن مجرد الأذى لله و رسوله موجب للندب إلى قتله كما نص عليه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ؟ ] و كما بينه جابر في حديثه

الوجه الثاني: أن ابن أبي أويس قال: حدثني إبراهيم بن جعفر الحارثي عن أبيه عن جابر قال: لما كان من أمر النبي صلى الله عليه و سلم و بني قريظة [ كذا فيه: و أحسبه بني قينقاع ] اعتزل كعب بن الأشرف و لحق بمكة و كان منها: و قال: و لا أعين عليه و لا أقاتله فقيل له بمكة أديننا خير أم دين محمد و أصحابه ؟ قال: دينكم خير و أقدم من دين محمد و دين محمد حديث فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربته

الجواب الثاني: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذى باللسان فإن مرثيته لقتلى المشركين و تحضيضه و سبه و هجاءه و طعنه في دين الإسلام و تفضيل دين الكفار عليه كله قول باللسان و لم يعمل عملا فيه محاربة و من نازعنا في سب النبي صلى الله عليه و سلم و نحوه فهو في تفضيل دين الكفار و حضهم باللسان على قتل المسلمين أشد منازعة لأن الذمي إذا تجسس لأهل الحرب و أخبرهم بعورات المسلمين و دعا الكفار إلى قتالهم انتقض عهده أيضا عندما ينتقض عهد الساب و من قال إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول: [ لا ينتقض العهد بالتجسس للكفار و مطالعتهم بأخبار المسلمين ] بطريق الأولى عندهم و هو مذهب أبي حنيفة و الثوري و الشافعي على خلاف بين أصحابه و ابن الأشرف لم يوجد منه إلا الأذى باللسان فقط فهو حجة على من نازع في هذه المسائل

و نحن نقول: إن ذلك كله نقض للعهد

الجواب الثالث: أن تفضيل دين الكفار على دين المسلمين هو دون سب النبي صلى الله عليه و سلم بلا ريب فإن كون الشيء مفصولا أحسن حالا من كونه مسبوبا مشتوما فإن كان ذلك ناقضا للعهد فالسب بطريق الأولى و أما مرثيته للقتلى و حضهم على أخذ ثأرهم فأكثر ما فيه تهييج قريش على المحاربة و قريش كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه و سلم عقب بدر و أرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف نعم مرثيته و تفضيله مما زادهم غيظا و محاربة لكن سبه للنبي صلى الله عليه و سلم و هجاؤه له و لدينه أيضا مما يهيجهم على المحاربة و يغريهم به فعلم أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام و أبلغ فإذا كان غيره من الكلام نقضا فهو أن يكون نقضا أولى و لهذا قتل النبي صلى الله عليه و سلم جماعة من النسوة اللواتي كن يشتمنه و يهجونه مع عفوه عمن كانت تعين عليه و تحض على قتاله

الجواب الرابع: أن ما ذكره حجة لنا من وجوه أخر و ذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوه كثيرة أن قوله تعالى { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [ النساء: 51 ] نزلت في كعب بن الأشرف بما قاله لقريش و قد أخبر الله سبحانه أنه لعنه و أن من لعنه فلن تجد له نصيرا و ذلك دليل على أنه لا عهد له لأنه لو كان له عهد لكان يجب نصره على المسلمين فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب أنتقاض عهده و عدم ناصره فكيف بما هو أغلظ منه من شتم و سب ؟ و إنما لم يجعله النبي صلى الله عليه و سلم و الله أعلم بمجرد ذلك ناقضا للعهد لأنه لم يعلن بهذا الكلام و لم يجهر به و إنما أعلم الله به رسوله وحيا كما تقدم في الأحاديث و لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم ليأخذ أحدا من المسلمين و المعاهدين إلا بذنب ظاهر فلما رجع إلى المدينة و أعلن الهجاء و العداوة استحق أن يقتل لظهور اذاه و ثبوته عند الناس نعم من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا يكون حتى يظهر المحاربة و يثبت عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت