فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 322

أحدها: قوله تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون } [ التوبة: 29 ]

فأمرنا بقتالهم إلى أن يعطوا الجزية و هم صاغرون و لا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطائهم الجزية و معلوم أن إعطاء الجزية من حين بذلها و التزامها إلى حين تسليمها و إقباضها فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء و وجب الكف عنهم إلى أن يقبضوناها فيتم الإعطاء فمتى لم يلتزموها أو التزموها أولا و امتنعوا من تسليمها ثانيا لم يكونوا معطين للجزية لأن حقيقة الإعطاء لم توجد و إذا كان الصغار حالا لهم في جميع المدة فمن المعلوم أن من أظهر سب نبينا في وجوهنا و شتم ربنا على رؤوس الملأ منا و طعن في ديننا في مجامعنا فليس بصاغر لأن الصاغر الذليل الحقير و هذا فعل متعزز مراغم بل هذا غاية ما يكون من الإذلال لنا و الإهانة

قال أهل اللغة: الصغار الذل و الضيم يقال: صغر الرجل ـ بالكسر ـ يصغر ـ بالفتح ـ صغرا و صغرا و الصاغر: الراضي بالضيم و لا يخفى على المتأمل أن إظهار السب و الشتم لدين الأمة التي اكتسبت شرف الدنيا و الآخرة ليس فعل راض بالذل و الهوان و هذا ظاهر لا خفاء به

و إذا كان قتالهم واجبا علينا إلا أن يكونوا صاغرين و ليسوا بصاغرين كان القتال مأمورا به و كل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه

و أيضا فإنا لو كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد لهم عهد الذمة بدونها و لو عقد لهم عقدا فاسدا فيبقون على الإباحة

و لا يقال فيهم: فهم يحسبون أنهم معاهدون فتصير لهم شبهة أمان و شبهة الأمان كحقيقته فإن من تكلم بكلام يحسبه الكافر أمانا كان في حقه أمانا و إن لم يقصده المسلم

لأنا نقول: لا يخفى عليهم أنا لم نرض بأن يكونوا تحت أيدينا مع إظهار شتم ديننا و سب نبينا و هم يدرون أنا لا نعاهد ذميا على مثل هذه الحال فدعواهم أنهم اعتقدوا أنا عاهدناهم على مثل هذا ـ مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين تجري عليهم أحكام الملة ـ دعوى كاذبة فلا يلتفت إليها

و أيضا فإن الذين عاهدوهم أول مرة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل عمر و قد علمنا أنه يمتنع أن يعاهدهم عهدا خلاف ما أمر الله به في كتابه

و أيضا فإنا سنذكر شروط عمر و أنها تضمنت أن من أظهر الطعن في ديننا حل دمه و ماله

الموضع الثاني: قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ـ إلى قوله ـ و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } [ التوبة: 12 ]

نفى سبحانه أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه و سلم قد عاهدهم إلا قوما ذكرهم فإنه جعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيما و معلوم أن مجاهرتنا بالشتيمة و الوقيعة في ربنا و نبينا و كتابنا و ديننا يقدح في الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالمحاربة في العهد بل ذلك أشد علينا إن كنا مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا و أموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا و لا يجهر في ديارنا بشيء من أذى الله و رسوله فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا بالقدح في أهون الأمرين كيف يكونون مستقيمين مع القدح في أعظمهما ؟

يوضح ذلك قوله تعالى: { كيف و إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا و لا ذمة } [ التوبة: 8 ] أي كيف يكون لهم عهد و لو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم و بينهم و لا العهد الذي بينكم و بينهم ؟ فعلم أن من كانت حاله أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا و بينه من العهد لم يكن له عهد و من جاهرنا بالطعن في ديننا كان ذلك دليلا على أنه لو ظهر لم يرقب العهد الذي بيننا و بينه فإنه إذا كان مع وجود العهد و الذلة يفعل هذا فكيف يكون مع العزة و القدرة ؟ و هذا بخلاف من لم يظهره لنا مثل هذا الكلام فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد لو ظهر

و هذه الآية و إن كانت في أهل الهدنة الذين يقيمون في دارهم فإن معناها ثابت في أهل الذمة المقيمين في دارنا بطريق الأولى

الموضع الثالث: قوله تعالى: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } [ التوبة: 12 ] و هذه الآية تدل من وجوه

أحدها: أن مجرد نكث الأيمان مقتض للمقاتلة و إنما ذكر الطعن في الدين و أفرده بالذكر تخصيصا له بالذكر و بيانا لأنه من أقوى الأسباب الموجبة للقتال و لهذا يغلظ على الطاعن في الدين من العقوبة ما لا يغلظ على غيره من الناقضين كما سنذكره إن شاء الله تعالى أو يكون ذكره على سبيل التوضيح و بيان سبب القتال فإن الطعن في الدين هو الذي يجب أن يكون داعيا إلى قتالهم لتكون كلمة الله هي العليا و أما مجرد نكث اليمين فقد يقاتل لأجله شجاعة و حمية و رياء أو يكون ذكر الطعن في الدين لأنه أوجب القتال في هذه الآية بقوله تعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر } و بقوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بدأوكم أول مرة أتخشونهم ؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم } [ التوبة: 13 ـ 14 ]

فيفيد ذلك أن من لم يصدر منه إلا مجرد نكث اليمين جاز أن يؤمن و يعاهد و أما من طعن في الدين فإنه يتعين قتاله و هذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه كان يهدر دماء من آذى الله و رسوله و طعن في الدين و إن أمسك عن غيره و إذا كان نقض العهد وحده موجبا للقتال و إن تجرد عن الطعن علم أن الطعن في الدين إما سبب آخر أو سبب مستلزم لنقض العهد فإنه لابد أن يكون له تأثير في وجوب المقاتلة و إلا كان ذكره ضائعا

فإن قيل: هذا يفيد أن من نكث عهده و طعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحداهما

فإن قيل: هذا يفيد أن من نكث عهده و طعن في الدين يجب قتاله أما من طعن في الدين فقط فلم تتعرض الآية له بل مفهومها أنه وحده لا يوجب هذا الحكم لأن الحكم المعلق بصفتين لا يجب وجوده عند وجود إحداهما

قلنا: لا ريب أنه لا بد أن يكون لكل صفة تأثير في الحكم و إلا فالوصف العديم التأثير لا يجوز تعليق الحكم به كمن قال: [ من زنى و أكل جلد ] ثم قد يكون كل صفة مستقلة بالتأثير لو انفردت كما يقال: يقتل هذا لأنه مرتد زان و قد يكون مجموع الجزاء مرتبا على المجموع و لكل وصف تأثير في البعض كما قال: { و الذين لا يدعون مع الله ألها آخر } [ الفرقان: 68 ] الآية و قد تكون تلك الصفات متلازمة كل منها لو فرض تجرده لكان مؤثرا على سبيل الاستقلال أو الاشتراك فيذكر إيضاحا و بيانا للموجب كما يقال: كفروا بالله و برسوله و عصى الله و رسوله و قد يكون بعضها مستلزما للبعض من غير عكس كما قال: { إن الذين يكفرون بآيات الله و يقتلون النبيين بغير حق } [ آل عمران: 21 ] الآية و هذه الآية من أي الأقسام فرضت كان فيها دلالة لأن أقصى ما يقال إن نقض العهد هو المبيح للقتال و الطعن في الدين مؤكد له و موجب له

فنقول: إذا كان الطعن يغلظ قتال من ليس بيننا و بينه عهد و يوجبه فأن يوجب قتال من بيننا و بينه ذمة و هو ملتزم للصغار أولى و سيأتي تقرير ذلك على أن المعاهد له أن يظهر في داره ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا و الذمي ليس له أن يظهر في دار الإسلام شيئا من دينه الباطل و إن لم يؤذنا فحاله أشد و أهل مكة الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا معاهدين لا أهل ذمة فلو فرض أن مجرد طعنهم ليس نقضا للعهد لم يكن الذمي كذلك

الوجه الثاني: أن الذمي إذا سب الرسول أو سب الله أو عاب الإسلام علانية فقد نكث يمينه و طعن في ديننا لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه يعاقب على ذلك و يؤدب عليه فعلم أنه لم يعاهد عليه لأنا لو عاهدناه عليه ثم فعله لم تجز عقوبته و إذا كنا قد عاهدناه على أن لا يطعن في ديننا ثم يطعن في ديننا فقد نكث في دينه من بعد عهده و طعن في ديننا فيجب قتله بنص الآية و هذه دلالة قوية حسنة لأن المنازع يسلم لنا أنه ممنوع من ذلك بالعهد الذي بيننا و بينه

لكن نقول: ليس إظهار كل ما منع منه نقض عهده كإظهار الخمر و الخنزير و نحو ذلك فنقول: قد وجد منه شيئان: ما منعه منه العهد و طعن في الدين بخلاف أولئك فإنه لم يوجد منهم إلا فعل ما هم ممنوعون منه بالعهد فقط و القرآن يوجب قتل من نكث يمينه من بعد عهده و طعن في الدين و لا يمكن أن يقال [ لم ينكث ] لأن النكث هو مخالفة العهد فمتى خالفوا شيئا مما صولحوا عليه فهو نكث مأخوذ من نكث الحبل و هو نقض قواه و نكث الحبل يحصل بنقض قوة واحدة كما يحصل بنقض جميع القوى لكن قد بقي من قواه ما يستمسك الحبل به و قد يهن بالكلية

و هذه المخالفة من المعاهد قد تبطل العهد بالكلية حتى تجعله حربيا و قد شعث العهد حتى تبيح عقوبتهم كما أن بعض الشروط في البيع و النكاح و نحوهما قد يبطل البيع بالكلية كما وصفه بأنه فرس فظهر بعيرا و قد يبيح الفسخ كالإخلال بالرهن و الضمين هذا عند من يفرق في المخالفة و أما من قال [ ينتقض العهد بجميع المخالفات ] فلأمر ظاهر على قوله و على التقديرين قد اقتضى العقد: أن لا يظهروا شيئا من عيب ديننا و أنهم متى أظهروه فقد نكثوا و طعنوا في الدين فيدخلون في عموم الآية لفظا و معنى و مثل هذا العموم يبلغ درجة النص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت