الدليل الثامن: أن الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه و سلم فقد صدر منه فعل تضمن أمرين أحدهما: انتقاض العهد الذي بيننا و بينه الثاني: جنايته على عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم و انتهاكه حرمته و إيذاء الله و رسوله و المؤمنين و طعنه في الدين و هذا معنى زائد على مجرد كونه كافرا قد نقض العهد
و نظير ذلك أن ينقضه بالزنا بمسلمة أو بقطع الطريق على المسلمين و قتلهم و أخذ أموالهم أو بقتل مسلم فإن فعله ـ مع كونه نقضا للعهد ـ قد تضمن جناية آخرى فإن الزنا و قطع الطريق و القتل من حيث هو هو جناية منفصلة عن نقض العهد له عقوبة تخصه في الدنيا و الآخرة زائدة على مجرد عقوبة التكذيب بنبوية و الدليل عليه قوله سبحانه و تعالى: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب: 57 ] فعلق اللعنة في الدنيا و الآخرة و العذاب المهين بنفس أذى الله و رسوله فعلم أنه موجب ذلك و كذلك قوله تعالى: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } [ التوبة: 12 ] و قد تقدم تقريره
يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما دخل مكة آمن الناس الذين كانوا يقاتلونه قبل ذلك و الذين نقضوا العهد الذي كان بينه و بينهم و خانوه إلا نفرا منهم القينتان اللتان كانتا تغنيان بهجائه و سارة مولاة بني عبد المطلب التي كانت تؤذيه بمكة فإذا كان قد أمر بقتل التي كانت تهجوه من النساء ـ مع أن قتل المرأة لا يجوز إلا إذا قاتلت و هو صلى الله عليه و سلم قد آمن جميع أهل مكة من كان قد قاتل و نقض العهد من الرجال و النساء ـ علم بذلك أن الهجاء جناية زائدة على مجرد القتال و الحراب لأن التفريق بين المتماثلين لا يقع من النبي صلى الله عليه و سلم كما أنه بقتل ابن خطل لأنه كان قد قتل مسلما و لأنه كان مرتدا و لأنه كان يأمر بهجائه و كل واحد من القتل و الردة و الأمر بهجائه جناية زائدة على مجرد الكفر و الحراب
و مما يبين ذلك أنه قد كان أمر بقتل من كان يؤذيه بعد فتح مكة ـ مثل ابن الزبعرى و كعب بن زهير و الحويرث بن نقيد و ابن خطل و غيرهم ـ مع أمانه لسائر أهل البلد و كذلك أهدر دم أبي سفيان بن الحارث و امتنع من إدخاله عليه و إدخال عبد الله بن أبي أمية لما كانا يقعان في عرضه ـ و قتل ابن أبي معيط و النضر بن الحارث دون غيرهما من الأسرى و سمى من يبذل نفسه في قتله ناصرا لله و رسوله و كان بندب إلى قتل من يؤذيه و يقول: [ من يكفني عدوي ]
و كذلك أصحابه يسارعون إلى قتل من آذاه بلسانه و إن كان أبا أو غيره و يندرون قتل من ظفروا به من هذا الضرب و قد تقدم من بيان ما فيه بلاغ
و من المعلوم أن هؤلاء لو كانوا بمنزلة سائر الكفار لا عهد لهم لم يقتلهم و لم يأمر بقتلهم في مثل هذه الأوقات التي آمن فيها الناس و كف عمن هو مثلهم فعلم أن السب جناية زائدة على الكفر و قد تقدم تقرير ذلك في المسألة الأولى على وجه يقطع العاقل أن الرسول صلى الله عليه و سلم جناية لها موقع يزيد على سائر الجنايات بحيث يستحق صاحبها من العقوبة مالا يستحقه غيره و إن كان كافرا حربيا مبالغا في محاربة المسليمين و أن وجوب الانتصار ممن كان هذه حالة كان مؤكدا في الدين و السعي في إهدار دمه من أفضل الأعمال و أوجبها و أحقها بالمسارعة إليه و ابتغاء رضوان الله تعالى فيه و أبلغ الجهاد الذي كتبه الله على عباده و فرضه عليهم و من تأمل الذين أهدر النبي صلى الله عليه و سلم دماؤهم يوم الفتح و اشتد غضبه عليهم حتى قتل بعضهم في نفس الحرم و أعرض عن بعضهم و انتظر قتل بعضهم وجد لهم جرائم زائدة على الكفر و الحراب من ردة و قتل و نحو ذلك و جرم أكثرهم إنما كان من سب رسول الله صلى الله عليه و سلم و أذاه بألسنتهم فأي دليل أوضح من هذا على أن سبه و هجاءه جناية زائدة على الكفر و الحراب لا يدخل في ضمن الكفر كما يدخل سائر المعاصي في ضمن الكفر و على أن المعاهدين إذا نقضوا العهد و فيهم من سب النبي صلى الله عليه و سلم كان للسب عقوبة زائدة على عقوبة مجرد نقض العهد ؟