فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 322

و مما يؤكد ذلك و جوه:

أحدهما: أن الهجاء و السب إما أن يكون من باب القتال باللسان فيكون كالقتال باليد و تكون المرأة الهاجية كالمرأة التي يستعان برأيها على حرب المسلمين كالملكة و نحوها مثل ما كانت هند بنت عتبة أو تكون بنفسها موجبة للقتل لما فيه من أذى الله و رسوله و المؤمنين و إن كان من جنس المحاربة أو لا يكون شيئا من ذلك فإن كان من القسم الأول و الثاني جاز قتل المرأة الذمية إذا سبت لأنها حينئذ تكون قد حاربت أو ارتكبت ما يوجب القتل فالذمية إذا فعلت ذلك انتقض عهدها و قتلت و لا يجوز أن تخرج عن هذين القسمين لأنه يلزم منه قتل المرأة من أهل الحرب من غير أن تقاتل بيد و لا لسان و لا أن ترتكب ما هو بنفسه موجب للقتل و قتل مثل هذه المرأة حرام بالسنة و الإجماع

الوجه الثاني: أن هؤلاء النسوة كن من أهل الحرب و قد آذين النبي صلى الله عليه و سلم في دار الحرب ثم قتلن بمجرد السب كما نطقت به الأحاديث فقتل المرأة الذمية بذلك أولى و أحرى المسلمة لأن الذمية بيننا و بينها من العهد ما يكفها عن إظهار السب و يوجب عليها التزام الذل و الصغار و لهذا تؤخذ بما تصيبه للمسلم من دم أو مال أو عرض و الحربية لا تؤخذ بشيء من ذلك

فإذا جاز قتل المرأة لأنها سبت الرسول و هي حربية تستبيح ذلك من غير مانع فقتل الذمية الممنوعة من ذلك بالعهد أولى

و لا يقال: عصمة الذمي أوكد لأنه مضمون و الحربي غير مضمون

لأنا نقول: الذمي أيضا ضامن لدم المسلم و الحربي غير ضامن فهو ضامن مضمون لأن العهد الذي بيننا اقتضى ذلك و أما الحربية فلا عهد بيننا و بينها يقتضي ذلك فليس كون الذمي مضمونا يجب علينا حفظه بالذي يهون عليه ما ينتهكه من عرض الرسول بل ذلك أغلظ لجرمه و أولى بأن يؤاخذ بما يؤذينا به و لا نعلم شيئا تقتل به المرأة الحربية قصدا إلا و قتل الذمية به أولى

الوجه الثالث: أن هؤلاء النسوة لم يقاتلن عام الفتح بل كن متذللات مستسلمات و الهجاء إن كان من جنس القتال فقد كان موجودا قبل ذلك و المرأة الحربية لا يجوز قتلها في غزوة هي فيها مستسلمة لكونها قد قاتلت قبل ذلك فعلم أن السب بنفسه هو المبيح لدمائهن لا كونهن قاتلن

الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه و سلم آمن جميع أهل مكة إلا أن يقاتلوا مع كونهم قد حاربوه و قتلوا أصحابه و نقضوا العهد الذي بينهم و بينه ثم إنه أهدر دماء هؤلاء النسوة فيمن استثناه و إن لم يقاتلن لكونهن كن يؤذينه فثبت أن جرم المؤذي لرسول الله صلى الله عليه و سلم بالسب و نحوه أغلظ من جرم القتال و غيره و أنه يقتل في الحال التي نهى فيها عن قتال من قتل و قاتل

الوجه الخامس: أن القينتين كانتا أمتين مأمورتين بالهجاء و قتل الأمة أبعد من قتل الحرة فإن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن قتل العسيف و كونها مأمورة بالهجاء أخف لجرمها حيث لم تقصده ابتداء ثم مع هذا أمر بقتلهما فعلم أن السب أغلظ الموجبات للقتل

الوجه السادس: أن هؤلاء النسوة إما أن يكن قتلن بالهجاء لأنهن فعلنه مع العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه و سلم و بين أهل مكة فيكون من جنس هجاء الذمي أو قتلن لمجرد الهجاء مع عدم العهد فإن كان الأول فهو المطلوب و إن كان الثاني فإذا جاز أن تقتل السابة التي لا عهد بيننا و بينها يمنعها فقتل الممنوعة بالعهد أولى لأن مجرد كفر المرأة و كونها من أهل الحرب لا يبيح دمها بالاتفاق على ما تقدم لا سيما و السب لم يكن بمنزلة القتال على ما تقدم

فإن قيل: ما وجه الترديد و أهل مكة قد نقضوا العهد و صاروا كلهم محاربين ؟

قيل لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يستبيح أخذ الأموال و سبي الذرية و النساء بذلك النقض العام: إما لأنه عفا عن ذلك كما عن قتل من لم يقاتل أو لأن النقض الذي وجد من بعض الرجال بمعاونة بني بكر و من بعضهم بإقرارهم على ذلك لم يسر حكمه إلى الذرية

و مما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم آمن الناس إلا بني بكر من خزاعة و إلا النفر المسمين إما عشرة أو أقل من عشرة أو أكثر لأن بني بكر هم الذين باشروا نقض العهد و قتلوا خزاعة فعلم أنه فرق بين من نقض العهد و فعل ما يبيح الدم و بين من لم يفعل شيئا غير الموافقة على نقض العهد فبكل حال لم يقتل هؤلاء النسوة للحرب العام و النقض العام بل لخصوص جرمهن من السب الناقض لعهد فاعله سواء ضم إليه كونه من ذي عهد أو لم يضم و اعلم أن ما تقدم من قتل النسوة اللاتي سببن رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل اليهودية و أم الولد و عصماء لو لم يثبت أنهن كن معاهدات لكان الاستدلال به جائزا فإن كل ما جاز أن تقتل به المرأة التي ليست مسلمة و لا معاهدة من فعلها و قولها فأن تقتل به المرأة المعاهدة أولى و أحرى فإن موجبات القتل في حق الذمية أوسع من موجباته في حق التي ليست ذمية

و مما يدل على مثل هذه الدلالة ما روى أن امرأة كانت تسب النبي صلى الله عليه و سلم فقال: [ من يكفيني عدوي ؟ ] فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت