و للناس في هذا الحديث قولان:
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبي الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام و الكذابون و الواضعون للحديث أشد من الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج و هؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله و الملحدون كالمحاصرين من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له
و وجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله و لهذا قال: [ إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم ] فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب اتباعه كوجوب اتباع أمر الله و ما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به
و من كذبه في خبره أو امتنع من التزام أمره و معلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة و العنسي و نحوها من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم فكذلك من تعمد الكذب على رسوله
و يبين ذلك أن الكذب بمنزلة التكذيب له و لهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى { و من أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه } [ العنكبوت: 68 ] بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثما من المكذب له و لهذا بدأ الله به كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم و الكاذب على الله كالمكذب له فالكاذب على الرسول كالمكذب له
يوضح ذلك أن تكذبيه نوع من الكذب فإن مضمون تكذبيه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق و ذلك إبطال لدين الله و لا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار و إنما صار كافرا لما يتضمنه من إبطال رسالة الله و دينه
و الكاذب عليه يدخل في دينه ما ليس منه عمدا و يزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر و امتثال هذا الأمر لأنه دين الله مع العلم بأنه ليس لله بدين
و الزيادة في الدين كالنقص منه و لا فرق بين من يكذب بأية من القرآن أو يصنف كلاما و يزعم أنه سورة من القرآن عامدا لذلك
و أيضا فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به و استخفاف لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به بل و قد لا يجوز الأمر بها و هذه نسبة له إلى السفه أو أنه يخبر بأشياء باطلة و هذه نسبة له إلى الكذب و هو كفر صريح
و أيضا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان أو صلاة سادسة زائدة و نحو ذلك أو أنه حرم الخبز و اللحم عالما بكذب نفسه كفر بالاتفاق
فمن زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم أوجب شيئا لم يوجبه أو حرم شيئا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول و زاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك و أنه ـ أعنى القائل ـ لم يقله اجتهادا و استنباطا
و بالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو المتعمد لتكذيب الله و أسوأ حالا و ليس يخفى أن من كب على من يجب تعظيمه فإنه مستخف به مستهين بحقه
و أيضا فإن الكاذب عليه لابد أن يشينه بالمكذب عليه و ينقصه بذلك و معلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله [ كان يتعلم مني ] أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك فكذلك الكاذب عليه لأنه إما أن يأثر عنه أمرا أو خبرا أو فعلا فإن أثر عنه أمرا لم يأمر به فقد زاد في شريعته و ذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به لأنه لو كان كذلك لأمر به صلى الله عليه و سلم لقوله: [ ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به و لا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه ] فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جاز منه فمن روى عنه أنه أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به و ذلك نسبة له إلى السفه
و كذلك إن نقل عنه خبرا فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر به لأن الله تعالى قد أكمل الدين فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن يخبر به و كذلك الفعل الذي ينقله عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه إذ لو كان كمالا لوجد منه و من انتقض الرسول فقد كفر
و اعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة و بين الذي يكذب عليه بواسطة مثل أن يقول: [ حدثني فلان بن فلان عنه بكذا فهذا إنما كذب على ذلك الرجل و نسب إليه ذلك الحديث فأما إن قال [ هذا الحديث صحيح ] أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالما بأنه كذب فهذا قد كذب عليه أما إذا افتراه و رواه رواية ساذجة ففيه نظر لا سيما و الصحابة عدول بتعديل الله لهم
فالكذب لو وقع من أحد ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين فأراد صلى الله عليه و سلم قتل من كذبى عليه و عجل عقوبته لكون ذلك عاصما من أن يدخل في العدول من ليس منهم من المنافقين و نحوهم
و أما من روى عني حديثا يعلم أنه كذب فهذا حرام كما صح عنه أنه قال: [ من روى عني حديثا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين ] لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر لأنه صادق في أن شيخه حدثه به لكن لعلمه بأن شيخه كذب فيه لم تكن تحل له الرواية فصار بمنزلة أن يشهد على إقرار أو شهادة أو عقد و هو يعلم أن ذلك باطل فان هذه الشهادة حرام لكنه ليس بشاهد زور
و على هذا القول فمن سبه فهو أولى بالقول ممن كذب عليه فإن الكاذب عليه قد زاد في الدين ما ليس منه و هذا قد طعن في الدين بالكلية و حينئذ فالنبي صلى الله عليه و سلم قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة فكذلك الساب له أولى
فإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة ـ و هو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ليس منه أو ينتقض منه ما هو منه ـ و الطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر الله من آيات النبوة
قيل: و المحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلا ضابطا فليس كل من حدث عنه قبل خبره لكن قد يظن عدلا و ليس كذلك و الطاعن عليه قد يؤثر طعنه في نفوس كثيرة من الناس و يسقط حرمته من كثير من القلوب فهو أوكد على أن الحديث عنه له دلائل يميز بها بين الكذب و الصدق
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته لكن لا يكفر و لا يجوز قتله لأن موجبات الكفر و القتل معلومة و ليس هذا منها فلا يجوز أن يثبت مالا أصل له و من قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه و عيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل و نحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرا و لا ريب أنه كافر حلال الدم
و قد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي صلى الله عليه و سلم علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب
و هذا الجواب ليس بشيء لأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن من سنته أن يقتل أحدا من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلا بمجرد علمه بنفاقه ؟ ثم إنه سمى خلقا من المنافقين لحذيفة و غيره و لم يقتل منهم أحدا
و أيضا فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي صلى الله عليه و سلم كذبا له في غرض و عليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر
و أيضا فإن الرجل إنما قصد بالكذب نبل شهوته و مثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار
و أيضا فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق و المنافق كافر و إذا كان النفاق متقدما و هو المقتضي للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين ؟ و علام لو يؤاخذه الله تعالى بذلك النفاق حتى فعل ما فعل ؟
و أيضا فإن القوم أخبروا رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله فقال [ كذب عدو الله ] ثم أمر بقتله إن وجده حيا ثم قال: [ ما أراك تجده حيا ] لعلمه صلى الله عليه و سلم بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة