فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 322

نعم هنا اختلف الفقهاء فيما ينافي العقد فقائل يقول: جميع المخالفات تنافيه بناء على أنه ليس للإمام أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط عمر

و قائل يقول: التي تنافيه هي المخالفات المضرة بالمسلمين بناء على جواز مصالحتهم على ما هو دون ذلك كما صالحهم النبي صلى الله عليه و سلم أولا حال ضعف الإسلام

و قائل يقول: التي تنافيه هي ما يوجب الضرر العام في الدين أو الدنيا كا لطعن على الرسول و نحوها

و بالجملة فكل ما لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع كونهم يفعلونه فهو مناف للعقد كما أن كل ما لا يجوز للمتبايعين و المتناكحين أن يتعاقدا مع وجوده فهو مناف للعقد

و إظهار الطعن في الدين لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم أعنى مع كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا و هذا مما أجمع المسلمون عليه و لهذا بعضهم يعاقبون على فعله بالتعزير و أكثرهم يعاقبون عليه بالقتل

و هو مما لا يشك فيه مسلم و من شك فيه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه

و إذا كان العقد لا يجوز عليه كان منافيا للعقد و من خالف شرطا مخالفة تنافي ابتداء العقد فإن عقده ينفسخ بذلك بلا ريب كأحد الزوجين إذا أحدث دينا يمنع ابتداء العقد ـ مثل ارتداد المسلم أو إسلام المرأة تحت الكافر ـ فإن العقد ينفسخ بذلك: إما في الحال أو عقب انقضاء العدة أو بعد عرض القاضي كما هو مقرر في مواضعه

فإحداث أهل الذمة الطعن في الدين مخالفة لموجب العقد مخالفة تنافي ابتداءه فيجب انفساخ عقدهم بها و هذا بين لمن تأمله و هو يوجب انفساخ العقد بما ذكرناه عند جميع الفقهاء و تبين أن ذلك هو مقتضى قياس الأصول

و اعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها من جهة المعنى في الذمي فأما المسلم إذا سب فلم يحتج أن يذكر فيه شيئا من جهة المعنى لظهور ذلك في حقه و لكون المحل محل وفاق و لكن سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ تحقيق الأمر فيه هل سبه ردة محضة كسائر الردد عن زيادة مغلظة أو هو نوع من الردة متغلظ عل كل حال ؟ و هل يقتل للسب مع الحكم بإسلامه أم لا ؟ و الله سبحانه أعلم فإن قيل: فقد قال تعالى: { لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين أشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فان ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران: 186 ] فأخبر أنا نسمع منهم الأذى الكثير و دعانا إلى الصبر على أذاهم و إنما يؤذينا أذى عاما الطعن في الله و دينه و رسوله و قوله تعالى: { لن يضركم إلا أذى } [ آل عمران: 111 ] من هذا الباب

قلنا أولا: ليس في الأية بيان أن ذلك مسموع من أهل الذمة و العهد و إنما هو مسموع في الجملة من الكفار

و ثانيا إن الأمر بالصبر على أذاهم و بتقوى الله لا يمنع قتالهم عند المكنة و إقامة حد الله عليهم عند القدرة فإنه لا خلاف بين المسلمين أنا إذا سمعنا مشركا أو كتابيا يؤذي الله و رسوله فلا عهد بيننا و بينه [ بل ] وجب علينا إن نقاتله و نجاهده إذا أمكن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت