و في رواية لمسلم و استشهد بها البخاري قال: كان بين خالد بن الوليد و بين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو اتفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدكم و لا نصيفه ]
و في رواية للبرقاني في صحيحه [ لا تسبوا أصحابي دعوا لي أصحابي فإن أحدكم لو اتفق كل يوم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم و لا نصيفه ]
و الأصحاب: جمع صاحب: و الصاحب اسم فاعل من صحبحه يصبحه و ذلك يقع على قليل الصحابة و كثيرها لأنه يقال: صحبته ساعة و صحبته شهرا و صحبته سنة قال الله تعالى: { و الصاحب بالجنب } [ النساء: 36 ] قد قيل: هو الرفيق في السفر و قيل: هو الزوجة و معلوم أن صحبه الرفيق و صحبة الزوجة قد تكون ساعة فما فوقها و قد أوصى الله به إحسانا ما دام صاحبا و في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم: [ خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه و خير الجيران عند الله خيرهم لجاره ] و قد دخل في ذلك قليل الصحبة و كثيرها و قليل الجواز و كثيره
و كذلك قال الإمام أحمد و غيره: [ كل من صحب النبي صلى الله عليه و سلم سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك ]
فإن قيل: فلم نهى خالدا عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضا ؟ و قال: [ لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه ]
قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف و نظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد و أمثاله يعادونه فيه و أنفقوا أموالهم قبل الفتح و قاتلوا و هم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح و قاتلوا و كلا وعد الله الحسنى فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد و نظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية و قاتل فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله و من لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين و أبعد
و قوله: [ لا تسبوا أصحابي ] خطاب لكل أحد أن يسب من انفرد عنه بصحبته عليه الصلاة و السلام و هذا كقوله عليه الصلاة و السلام في حديث آخر: [ أيها الناس إني أتيتكم فقلت: إني رسول الله إليكم فقلتم: كذبت و قال أبو بكر: صدقت فهل أنتم تاركو لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي ] أو كما قال بأبي هو و أمي صلى الله عليه و سلم قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر و ذاك الرجل من فضلا أصحابه و لكن امتاز أبو بكر عنه بصحته و انفرد بها عنه
و عن محمد بن طلحة المدني عن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم ابن ساعدة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إن الله اختارني و اختار لي أصحابا جعل لي منهم و زراء و أنصارا و أصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا ] و هذا محفوظ بهذا الإسناد
و قد روى ابن ماجة بهذا الإسناد حديثا و قال أبو حاتم في تحديثه: هذا محله الصدق يكتب حديثه و لا يحتج به على انفراده و معنى هذا الكلام أنه يصلح للاعتبار تحديثه و الاستشهاد به فإذا عضده آخر مثله جاز أن يحتج به و لا يحتج به على انفراده
و عن عبد الله بن مغفل قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي من أحبهم فقد أحبني و من أبغضهم فقد أبغضني و من آذاهم فقد آذاني و من آذاني فقد أذى الله و من آذى الله فيوشك أن يأخذه ] رواه الترمذي: و غيره من حديث عبيدة ابن أبي رائطة عن عبد الرحمن ابن زياد عنه و قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
و روى هذا المعنى من حديث أنس أيضا لفظه [ من سب أصحابي فقد سبني و من سبني فقد سب الله ] رواه ابن البناء
و عن عطاء بن أبي رباح عن النبي عليه الصلاة و السلام قال: لعن الله من سب أصحابي رواه أبو أحمد الزبيري: حدثنا محمد بن خالد عنه و قد روى عن ابن عمر مرفوعا من وجه آخر و رواهما اللالكائي
و قال علي بن عاصم: أنبأ أبو قحذم حدثني أبو قلابة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إذا ذكر القدر فأمسكوا و إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ] رواه اللالكائي
و لما جاء فيه من الوعيد قال إبراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر و عمر من الكبائر و كذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر و عمر من الكبائر التي قال تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } [ النساء: 31 ] و إذا كان شتمهم بهذه المثابة فأقل ما فيه التعزير لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد و لا كفارة و قد قال صلى الله عليه و سلم: [ انصر أخاك ظالما أو مظلوما ] و هذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه و العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و التابعين لهم بإحسان و سائر أهل السنة و الجماعة فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم و الاستغفار لهم و الترحم عليهم و الترضي عنهم و اعتقاد محبتهم و موالاتهم و عقوبة من أساء فيهم القول