فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 322

و كل ما كان من الذمي سبا ينتقض عهده و يوجب قتله فإن توبته منه لا تقبل على ما تقدم هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من أصحابنا و غيرهم و قد تقدم عن الشيخ أبي محمد المقدسي رضي الله عنه أنه قال:[ إن الذمي إذا سب النبي عليه الصلاة و السلام ثم أسلم سقط عنه القتل و إنه إذا قذفه ثم أسلم ففي سقوط القتل عنه روايتان و ينبغي أن يبنى كلامه على أنه إن سبه بما يعتقده فيه دينا سقط عنه القتل بإسلامه كاللعن و التقبيح و نحوه و إن سبه بما لا يعتقده فيه كالقذف لم يسقط عنه لأن ما يعتقده فيه كفر محض سقط حده بالإسلام باطنا فيجب أن يسقط ظاهرا أيضا لأن سقوط الأصل الذي هو الاعتقاد يستتبع سقوط فروعه و أما لا يعتقده فهو فرية يعلم هو أنها فرية فهي بمنزلة سائر حقوق الأدميين و إن حمل الكلام على ظاهره في أنه يستثنى القذف فقط من بين سائر أنواع السب فيمكن أن يوجه بأن القذف غيره لما تغلظ بأن جعل على صاحبه الحد الموقت و هو ثمانون بخلاف غيره من أنواع السب فإن عقوبته التعزيز المفوض إلى اجتهاد ذي السلطان كذلك يفرق في حقه بين القذف و غيره فيجعل على قاذفه الحد مطلقا و هو القتل و إن أسلم و يدرأ عن الساب الحد إذا تاب لكن هذا الفرق ليس بمرضي فإن قذفه إنما أوجب القتل و نقض العهد في نسبه و كان ذلك قدحا في نبوته و هذا معنى يستوي فيه السب بالقذف و بغيره من أنواع الأكاذيب بل قد توصف من الأفعال أو الأقوال المنكرة بما يلحق بالموصوف شينا و غضاضة أعظم من هذا و إنما فرق في حق غيره بين القذف و غيره لأنه لا يمكن تكذيب القاذف به كما يمكن تكذيب غيره فصار العار به أشد

و هنا كلمات السب القادحة في النبوة سواء في العلم ببطلانها ظهورا و خفاء فإن العلم بكذب القاذف كالعلم بكذب الناسب له إلى منكر من القول و زور لا فرق بينهما

و بالجملة فالمنصوص عن الإمام أحمد و عامة أصحابه و سائر أهل العلم أنه لا فرق في هذا الباب بين السب بالقذف و غيره بل من قال: [ إنه ينتقض عهده و يحتم قتله ] لم يفرق بين القذف و غيره و من قال: [ سقط عنه القتل بإسلامه ] لم يفرق بين القذف و غيره

و من فرق من الفقهاء بين ما يعتقده و ما لا يعتقده فإنما فرق في انتقاض العهد لا في سقوط القتل عنه بالإسلام لكن هو يصلح أن يكون معاضدا لقول الشيخ أبي محمد لأنه فرق بين النوعين في الجملة

و أما الإمام أحمد وسائر المتقدمين فإنما خلافهم في السب مطلقا و ليس شيء من كلام الإمام أحمد رضي الله عنه تعرض للقذف لخصوصه و إنما ذكره أصحابه في القذف لأنهم تكلموا في أحكام القذف مطلقا فذكروا هذا النوع من القذف أنه موجب للقتل و أنه لا يسقط القتل بالتوبة لنص الإمام على أن السب الذي هو أعلم من القذف موجب للقتل لا يستتاب صاحبه

ثم منه من ذكر المسألة بلفظ السب كما هي في لفظ أحمد و غيره

و منهم من ذكرها بلفظ القذف لأن الباب القذف فكان ذكرها بالاسم الخاص أظهر تأثيرا في الفرق بين هذا القذف و غيره ثم علل الجميع و أدلتهم تعم أنواع السب بل هي في غير القذف أنص منها في القذف و إنما تدل على القذف بطريق عموم أو بطريق القياس و الدليل يوافق ما ذكره الجمهور من التسوية كما تقدم ذكره نفيا و إثباتا و لا حاجة إلى الإطناب هنا

فإن من سلم أن جميع أنواع السب من القذف و غيره ينتقض العهد و يوجب القتل ثم فرق بين بعضها و بعض في السقوط بالإسلام فقد أبعد جدا لأن السب لو كان بمنزلة الكفر عنده لم ينقض العهد و لوجب قتل الذمي و إذا لم يكن بمنزلة الكفر فإسلامه إما أن يسقط الكفر فقط أو يسقط الكفر و غيره من الجنابة على عرض الرسول فأما إسقاطه لبعض الجنايات دون بعض ـ مع استوائهما في مقدار العقوبة ـ فلا يتبين له وجه محقق

و الاحتجاج بأن الإسلام يسقط عقوبة من سب الله فإسقاطه عقوبة من سب النبي أولى إن صح فإنما يدل على أن الإسلام يسقط عقوبة الساب مطلقا قذفا كان السب أو غير قذف

و نحن في هذا المقام لا نتكلم إلا في التسوية ين أنواع السب و لا في التسوية بين أنواع السب لا في صحة هذه الحجة و فسادها إذ تقدم التنبيه على ضعفها و ذلك لأن سب النبي إن جعل بمنزلة سب الله مطلقا و قيل بالسقوط في الأصل فيجب أن يقال بالسقوط في الفرع و إن جعل بمنزلة سب الخلق أو جعل موجبا للقتل حدا لله أو سوي بين السبين في عدم السقوط و نحو ذلك من المآخذ التي تقدم ذكرها فلا فرق في هذا الباب بين القذف و غيره في السقوط بالإسلام فإن الذمي لو قذف مسلما أو ذميا أو شتمه بغير القذف ثم أسلم لم يسقط عنه التعزير المستحق بالسب كما لا يسقط الحد المستحق بالقذف فعلم أنهما سواء في الثبوت و السقوط و إنما يختلفان في مقدار العقوبة بالنسبة إلى غير النبي أما بالنسبة إلى النبي فعقوبتهما سواء فلا فرق بينهما بالنسبة إليه البتة

و إذ قد ذكرنا حكم الساب للرسول عليه الصلاة و السلام فنردفه بما هو من جنسه مما قد تقدم في الأدل المذكورة بأصل حكمه فإن ذلك من تمام الكلام في هذه المسألة على ما يخفي و نفصله فصولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت