الدليل السادس: قوله سبحانه: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون } [ الحجرات: 2 ] أي: حذر أن تحبط أعمالكم أو خشية أن تحبط أعمالكم أو كراهة أن تحبط أو منع أن تحبط هذا تقدير البصريين و تقدير الكوفيين لئلا تحبط
فوجه الدلالة أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته و عن الجهر له كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع و الجهر قد يفضي إلى حبوط العمل و صاحبه لا يشعر فإنه علل نهيهم عن الجهر و تركهم له بطلب سلامة العمل عن الحبوط و بين أن فيه من المفسدة جواز حبوط العمل و انعقاد سبب ذلك و ما يفضي إلى حبوط العمل يجب تركه غاية الوجوب و العمل يحبط بالكفر قال سبحانه: { و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فألئك حبطت أعمالهم } [ البقرة: 217 ] و قال تعالى: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } [ المائدة: 5 ] و قال: { و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام: 88 ] و قال: { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر: 65 ] و قال: { ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم } [ محمد: 9 ] و قال: { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله و كرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } [ محمد: 28 ] كما أن الكفر إذا قارنه عمل لم يقبل لقوله تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } [ المائدة: 27 ] و قوله: { الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } [ محمد: 1 ] و قوله: { و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله و برسوله } [ التوبة: 54 ] و هذا ظاهر و لا يحبط الأعمال غير الكفر لأن من مات على الإيمان فإنه لا بد أن يدخل الجنة و يخرج من النار إن دخلها و لو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط و لأن الأعمال غنما يحبطها ما ينافيها و لا ينافي الأعمال مطلقا إلا الكفر و هذا معروف من أصول أهل السنة نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى } [ البقرة: 264 ] و لهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر
فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي و الجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه و هو لا يشعر و يحبط عمله بذلك و أنه مظنة لذلك و سبب فيه فمن المعلوم أن ذلك لما ينبغي له من التعزيز و التوقير و التشريف و التعظيم و الإكرام و الإجلال و لما رفع الصوت قد يشتمل على أذى له و استخفاف به و إن لم يقصد الرافع ذلك فإذا كان الأذى و الاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفرا فالأذى و الاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى
الدليل السابع على ذلك: قوله سبحانه: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور: 63 ] أمر من خالف أمره أن يحذر الفتنة و الفتنة: الردة و الكفر قال سبحانه: { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [ البقرة: 193 ] و قال: { و الفتنة أكبر من القتل } [ البقرة: 217 ] و قال: { و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها } [ الأحزاب: 14 ] و قال: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [ النحل: 110 ]
قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في ثلاثة و ثلاثين موضعا ثم جعل يتلو: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة } الآية [ النور: 63 ] و جعل يكررها و يقول: و ما الفتنة ؟ الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه و جعل يتلو هذه الآية: { فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } [ النساء: 65 ]
و قال أبو طالب المشكاني و قيل له: إن قوما يدعون الحديث و يذهبون إلى رأي سفيان ـ فقال: [ أعجب لقوم سمعوا الحديث و عرفوا الإسناد و صحته يدعونه و يذهبون إلى رأي سفيان و غيره ! قال الله: { فاليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [ النور: 63 ] و تدري ما الفتنة ؟ الكفر قال الله تعالى: { و الفتنة أكبر من القتل } [ البقرة: 217 ] فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و تغلبهم أهواؤهم إلى الرأي ] فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر و الشرك أو من العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر أو العذاب الأليم و معلوم أن إقضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما قد يقترن [ به ] من استخفاف بحق الأمر كما فعل إبليس فكيف لما هو أغلظ من ذلك كالسب و الانتقاص و نحوه ؟
و هذا باب واسع مع أنه بحمد الله مجمع عليه لكن إذا تعددت الدلالات تعاضدت على غلظ كفر الساب و عظم عقوبته و ظهر أن ترك الاحترام للرسول و سوء الأدب معه مما يخاف الكفر المحبط كان ذلك أبلغ فيما قصدنا له
و مما ينبغي أن يتفطن له أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره و ضعف أثره من الشر و المكروه ذكره الخطابي و غيره و هو كما قال و استقراء موارده يدل على ذلك مثل قوله تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } [ آل عمران: 111 ] و قوله: { و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } [ البقرة: 222 ]
و فبما يؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ القر بؤس و الحر أذى ] و قيل لبعض النسوة العربيات: القر أشد أم الحر ؟ فقالت: من يجعل البؤس كالأذى ؟ و البؤس خلاف النعيم و هو ما يشقي البدن و يضره بخلاف الأذى فإنه لا يبلغ ذلك و لهذا قال: { إن الذين يؤذون الله و رسوله } [ الأحزاب: 57 ]
و قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله: [ يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله ] و قال: [ ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يجعلون له ولدا و شريكا و هو يعافيهم و يرزقهم ]
و قد قال سبحانه فيما يروي عنه رسوله: [ يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ] و قال سبحانه في كتابه: { و لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا } [ آل عمران: 176 ] فبين أن الخلق لا يضرونه سبحانه بكفرهم و لكن يؤذونه تبارك و تعالى إذا سبوا مقلب الأمور و جعلوا له سبحانه ولدا أو شريكا و آذوا رسله و عباده المؤمنين ثم إن الأذى لا يضر المؤذي إذا تعلق بحق الرسول فقد رأيت عظم موقعه و بيانه أن صاحبه من أعظم الناس كفرا و أشدهم عقوبة فتبين بذلك أن قليل ما يؤذيه يكفر به صاحبه و يحل دمه
و لا يرد على هذا قوله تعالى: { لا تدخلوا بيوت النبي ـ إلى قوله ـ إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم } [ الأحزاب: 53 ] فإن المؤذي له هنا إطالتهم الجلوس في المنزل و استئناسهم للحديث لا أنهم آذوا النبي صلى الله عليه و سلم
و الفعل إذا آذى النبي من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه و لم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه و يكون معصية كرفع الصوت فوق صوته فأما إذا قصد أذاه و كان مما يؤذيه و صاحبه يعلم أنه يؤذيه و أقدم عليه مع استحضار هذا العلم فهذا الذي يوجب الكفر و حبوط العمل و الله سبحانه أعلم