فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 322

و في هذا و غيره بيان لتلازم الحقين و أن جهة حرمة الله تعالى و رسوله جهة واحدة فمن آذى الرسول فقد آذى الله و من أطاعه فقد أطاع الله لأن الأمة لا يصلون ما بينهم و بين ربهم إلا بواسطة الرسول ليس لأحد منهم طريق غيره و لا سبب سواه و قد أقامه الله مقام نفسه في أمره و نهيه و إخباره و بيانه فلا يجوز أن يفرق بين الله و رسوله في شيء من هذه الأمور

و ثانيها: أنه فرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين و المؤمنات فجعل على هذا أنه احتمل { بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ] وجعل على ذلك اللعنة في الدينا و الآخرة و أعد له العذاب المهين و معلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم و فيه الجلد و ليس فوق ذلك إلا الكفر و القتل

الثالث: أنه ذكر لعنهم في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا و اللعن: الإبعاد عن الرحمة و من طرده عن رحمته في الدنيا و الآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات و لا يكون مباح الدم لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله فلا يثبت في حقه

و يؤيد ذلك قوله: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجارونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } [ الأحزاب: 61 ] فإن أخذهم و تقتيلهم و الله أعلم بيان صفة لعنهم و ذكر لحكمه فلا موضع له من الإعراب و ليس بحال ثانية لأنهم إذا جاوروه ملعونين و لم يظهر أثر لعنهم في الدنيا لم يكن في ذلك و عيد لهم بل تلك اللعنة ثابتة قبل هذا الوعيد و بعده فلا بد أن يكون هذا الأخذ و التقتيل من آثار اللعنة التي وعدوها فيثبت في حق من لعنة الله في الدنيا و الآخرة

ويؤيده قول النبي صلى الله عليه و سلم [ لعن المؤمن كقتله ] متفق عليه فإذا كان الله قد لعن هذا في الدنيا و الآخرة فهو كقتله فعلم أن قتله مباح

قيل: و اللعن إنما يستوجبه من هو كافر لكن هذا جيدا على الإطلاق

و يؤيده قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء: 52 ] و لو كان معصوم الدم يجب على المسلمين نصره و لكان له نصير

يوضح ذلك أنه قد نزل في شأن ابن الأشرف و كان من لعنته أن قتل لأنه كان يؤذي الله و رسوله

و اعلم أنه لا يرد على هذا أنه قد لعن من لا يجوز قتله لوجوه:

أحدها: أن هذا قيل فيه [ لعنة الله في الدنيا و الآخرة ] فبين أنه سبحانه أقصاه عن رحمته في الدارين و سائر الملعونين إنما قيل فيهم [ لعنة الله ] أو [ عليه لعنة الله ] و ذلك يحصل بإقصائه عن الرحمة في وقت من الأوقات و فرق بين من لعنه الله أو عليه لعنة مؤبدة عامة و من لعنه لعنا مطلقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت