الطريقة الثانية: قوله سبحانه: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } الآيات [ التوبة: 12 ]
و قد قرأ ابن عامر و الحسن و عطاء و الضحاك و الأصمعي و غيرهم عن أبي عمرو: لا إيمان لهم بكسر الهمزة و هي قراءة مشهورة
و هذه الآية تدل على أنه لا يعصم دم الطاعن إيمان و لا يمين ثانية
أما على قراءة الأكثرين فإن قوله: { لا أيمان لهم } أي لا وفاء بالأيمان و معلوم أنه إنما أراد لا وفاء في المستقبل بيمين أخرى إذ عدم اليمين في الماضي قد تحقق بقوله: { و إن نكثوا أيمانهم } فأفاد هذا أن الناكث الطاعن إمام في الكفر لا يعقد له عقد ثان أبدا
و أما على قراءة ابن عامر فقد علم أن الإمام في الكفر ليس له إيمان و لم يخرج هذا مخرج التعليل لقتالهم لأن قوله تعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر } أبلغ في انتفاء الإيمان عنهم من قوله تعالى: { لا إيمان لهم } و أدل على علة الحكم و لكن يشبه ـ و الله أعلم ـ أن يكون المقصود أن الناكث الطاعن إمام في الكفر لا يوثق بما يظهره من الإيمان كما لم يوثق بما كان عقده من الأيمان لأن قوله تعالى: { لا إيمان } نكرة منفية بلا التي تنفي الجنس فتقتضي نفي الإيمان عنهم مطلقا فثبت أن الناكث الطاعن في الدين إمام في الكفر لا إيمان له من هؤلاء و أنه يجب قتله و إن ظهر الإيمان
يؤيد ذلك أن كل كافر فإنه لا إيمان له في حال الكفر فكيف بأئمة الكفر ؟ فتخصيص هؤلاء بسلب الإيمان عنهم لا بد أن يكون له موجب و لا موجب له إلا نفيه مطلقا عنهم
و المعنى أن هؤلاء لا يرتجى إيمانهم فلا يستبقون و أنهم لو لم أظهروا إيمانا لم يكن صحيحا و هذا كما قال النبي عليه الصلاة و السلام: [ اقتلوا شيوخ المشركين و استبقوا شرخهم ] لأن الشيخ قد عسا في الكفر و كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصية لأمراء الأجناد شرحبيل بن حسنة و يزيد ابن أبي سفيان و عمرو بن العاص: ستلقون أقواما مجوفة رؤوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منها بالسيوف فلأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم و ذلك بأن الله تعالى قال: { قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون } و الله أصدق القائلين فإنه لا يكاد يعلم أحدا من الناقضين للعهود الطاعنين في الدين أئمة الكفر حسن إسلامه بخلاف من لم ينقض العهد أو نقضه و لم يطعن في الدين أو طعن و لم ينقض عهدا فإن هؤلاء قد يكون لهم إيمان
يبين ذلك أنه قال: [ لعلهم ينتهون ] أي عن النقض و الطعن كما سنقرره و إنما يحصل الانتهاء إذا قوتلت الفئة الممتنعة حتى تغلب أو أخذ الواحد الذي ليس بممتنع فقتل لأنه متى استحيي بعد القدرة طمع أمثاله في الحياة فلا ينتهون
و مما يوضح ذلك أن ذلك أن هذه الآية قد قيل: إنها نزلت في اليهود الذين كانوا غدروا برسول الله صلى الله عليه و سلم و نكثوا ما كانوا أعطوا من العهود و الأيمان على أن لا يعينوا عليه أعداءه من المشركين و هموا بمعاونة الكفار و المنافقين على إخراج النبي عليه الصلاة و السلام من المدينة فأخبر أنهم بدأوا بالغدر و نكث العهد فأمر بقتالهم ذكر ذلك القاضي أبو يعلى فعلى هذا يكون سبب نزول الآية مثلا مسألتنا سواء
و قد قيل: إنها نزلت في مشركي قريش ذكره جماعة
و قالت طائفة من العلماء: و براءة إنما بعد تبوك و بعد فتح مكة و لم يكن حينئذ بقي بمكة مشرك يقاتل فيكون المراد من أظهر الإسلام من الطلقاء و لم يبق قلة من الكفر إذا أظهروا النفاق
و يؤيد هذا قراءة مجاهد و الضحاك: [ نكثوا إيمانهم ] بكسر الهمزة فتكون دالة على أن من نكث عهده الذي عاهد عليه من الإسلام و طعن في الدين فإنه يقاتل و إنه يقاتل له قال: من نص هذه الآية قال: { فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ثم قال { و إن نكثوا إيمانهم } [ التوبة: 12 ] فعلم أن هذا نكث بعد هذه التوبة لأنه قد تقدم الإخبار عن نكثهم الأول بقوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة } [ اللتوبة: 10 ] و قوله تعالى: { كيف و إن يظهروا عليكم } الآية [ التوبة: 8 ] و قد تقدم أن الإيمان هي العهود فعلى هذا تعم الآية من نكث عهد الإيمان و من نكث عهد الأيمان أنه إذا طعن في الدين قوتل و انه لا إيمان له حينئذ فتكون دالة على أن الطاعن في الدين بسب الرسول و نحوه من المسلمين و أهل الذمة لا إيمان له و لا يمين له فلا يحقن دمه بشيء بعد ذلك:
فإن قيل: قد قيل قوله تعالى: { لا إيمان لهم } أي لا أمان لهم مصدر آمنت الرجل أو منه إيمانا ضد أخفته كما قال تعالى: { و آمنهم من خوف } [ قريش: 4 ]
قيل: إن كان هذا القول صحيحا فهو حجة أيضا لأنه لم يقصد لا أمان لهم في الحال فقط للعلم بأنهم قد نقضوا العهد و إنما يقصد لا أمان لهم بحال في الزمان الحاضر و المستقبل و حينئذ فلا يجوز أن يؤمن هذا بحال بل يقتل بكل حال
فإن قيل: إنما أمر في الآية بالمقاتلة لا بالقتل و قد قال بعدها: { و يتوب الله على من يشاء } [ التوبة: 15 ] فعلم أن اللتوبة منه مقبولة قبل لما تقدم ذكر طائفة ممتنعة أمر بالمقاتلة و أخبر سبحانه أنه يعذبهم بأيدي المؤمنين و ينصر عليهم ثم من بعد ذلك يتوب الله على من يشاء لأن ناقضي العهد إذا كانوا مممتنعين فمن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه الحدود و لذلك قال: [ على من يشاء ] و إنما يكون هذا في عدد تتعلق المشيئة بتوبة بعضهم
يوضح ذلك أنه قال: { و يتوب الله } بالضم و هذا كلام مستأنف ليس داخلا في حيز جواب الأمر و ذلك يدل على أن التوبة ليست مقصودة من قتالهم و لا هي حاصلة بقتالهم و إنما المقصود بقتالهم انتهاؤهم عن النكث و الطعن و المضمون بقتالهم تعذيبهم و خزيهم و النصر عليهم و في ذلك ما يدل على أن الحد لا يسقط عن الطاعن الناكث بإظهار التوبة لأنه لم يقتل و يقاتل لأجلها
و يؤيد هذا أنه قال: { كيف يكون للمشركين عهد الله ـ إلى قوله ـ فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ـ ثم قال ـ { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر } [ التوبة: 12 ] فذكر التوبة الموجبة للأخوة قبل أن يذكر نقض العهد و الطعن في الدين و جعل للمعاهد ثلاثة أحوال: