أحدهما أن هذا السؤال فاسد الاعتبار فإن كون الشيء في نفسه أعظم إثما من غيره يظهر أثره في العقوبة عليه في الآخرة لا في الإقرار عليه في الدنيا ألا ترى أن أهل الذمة يقرون على الشرك و لا يقرون على الزنا و لا على السرقة و لا على قطع الطريق و لا قذف المسلم و لا على محاربة المسلمين و هذه الأشياء دون الشرك بل سنة الله في خلقه كذلك فإنه عجل لقوم لوط العقوبة و في الأرض مدائن مملوءة من الشرك لم يعالجهم بالعقوبة لا سيما و المحتج بهذا الكلام يرى أن قتل الكفار إنما هو لمجرد المحاربة سواء كان كفره أصليا أو طارئا حتى إنه لا يرى قتل المرتدة و يقول: ليست دار الجزاء على الكفر و إنما الجزاء على الكفر في الآخرة فإنما يقاتل من يقاتل فقط لدفع أذاه
ثم لا يجوز أن يقال: إذا أقررناهم على الكفر فلأن نقرهم على المحاربة التي هي دون الكفر بطريق الأولى و سبب ذلك أن ما كان من الذنوب يتعدى ضرره فاعله عجلت لصاحبه العقوبة في الدنيا تشريعا و تقديرا و لهذا قال صلى الله عليه و سلم: [ ما من ذنب أحرى أن تعجل لصاحبه العقوبة من البغي و قطيعة الرحم ] لأن تأخير عقوبته فساد لأهل الأرض بخلاف ما لا يتعدى ضرره فاعله فإنه قد تؤخر عقوبته و إن كان أعظم كالكفر و نحوه فإذا أقررناهم على الشرك أكثر ما فيه تأخير العقوبة عليه و ذلك لا يستلزم تأخير عقوبة ما يضر بالمسلمين لأنه دونه كما قدمناه
الوجه الثاني: أن يقال: لا خلاف أنهم إذا أقروا على ما هم عليه من الكفر غير مضارين للمسلمين لا يجوز أذاهم لا في دمائهم و لا في أبشارهم و لو أظهروا السب و نحوه عوقبوا على ذلك إما في الدماء أو في الأبشار
ثم إنه لا يقال: إذا لم يعاقبوا بالعزيز على الشرك لم يعاقبوا على السب الذي هو دونه و إذا كان هذا السؤال معترضا على الإجتماع لم يجب جوابه كيف و المنازع قد سلم أنهم يعاقبون على السب ؟ فعلم أنهم لم يقرهم عليه فلا يقبل منه السؤال
و الجواب عن هذه الشبهة مشترك فلا يجب علينا الأنفراد به
الوجه الثالث: أن الساب ينضم السب إلى شركه الذي عوهد عليه بخلاف المشرك الذي لم يسب و لا يلزم من الإقرار على ذنب مفرد الإقرار عليه مع ذنب آخر و إن كان دونه فإن اجتماع الذنبين يوجب جرما مغلظا لا يحصل حال الانفراد
الوجه الرابع: قوله: [ ما هم عليه من الكفر أعظم من سب الرسول ] ليس بجيد على الإطلاق و ذلك لأن أهل الكتاب طائفتان