فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 322

الطريقة التاسعة: أنا قد قدمنا عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه أهدر عام الفتح دماء نسوة لأجل أنهن كن يؤذينه بألسنتهن منهن القينتان لابن خطل اللتان كانتا تغنيان بهجائه و مولاة لبني عبد المطلب كانت تؤذيه و بينا بيانا واضحا أنهن لم يقتلن لأجل حراب و لا قتال و إنما قتلن لمجرد السب و بينا أن سبهن لم يجري مجرى قتالهن بل كان أغلظ لأن النبي عليه الصلاة و السلام آمن عام الفتح المقاتلة كلهم إلا من له جرم خاص يوجب قتله و لأن سبهن كان متقدما على الفتح و لا يجوز قتل المرأة في بعض الغزوات لأجل قتال متقدم منها قد كفت عنه و أمسكت في هذه الغزوة و بينا بيانا و اضحا أن قتل هؤلاء النسوة أدل شيء على قتل المرأة السابة من مسلمة و معاهدة و هو دليل قوي على جواز قتل السابة و إن تابت من وجوه:

أحدها: ان هذه المرأة الكافرة لم تقتل لأجل أنها مرتدة و لا لأجل أنها مقاتلة كما تقدم فلم يبقى ما يوجب قتلها إلا أنها مفسدة في الأرض محاربة لله و رسوله و هذه يجوز قتلها بعد التوبة إذا كان قتلها جائزا قبلها بالكتاب و السنة و الاجماع

الثاني: أن سب أولئك النسوة إما أن يكون حرابا او جناية موجبة للقتل غير الحراب إذ قتلهن لمجرد الكفر غير جائز كما تقدم فإن كان حرابا فالذمي إذا حارب الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا يجب قتله في كل حال كما دل عليه القرآن و إن كان جناية أخرى مبيحة للدم فهو أولى و أحرى و قد قدمنا فيما مضى ما يبين أن هؤلاء النسوة لم يقتلن لحراب كان موجودا منهن في غزوة الفتح و إنما قتلن جزاء على الجرم الماضي نكالا عن مثله و هذا يبين أن قتلهن بمنزلة قتل أصحاب الحدود من المسلمين و المعاهدين

الثالث: أن اثنتين منهن قتلتا و الثالثة أخفيت حتى استئمن لها النبي صلى الله عليه و سلم بعد ذلك فآمنها لأنه كان له أن يعفو عمن سبه كما تقدم و له أن يقتله و لم يعصم دم أحد ممن أهدر دمه عام الفتح إلا آمانه فعلم أن مجرد الإسلام لم يعصم دم هذه المرأة و إنما عصم دمها عفوه

و بالجملة فقصة قتله لأولئك النسوة من أقوى ما يدل على جواز قتل السابة بكل حال فإن المرأة الحربية لا يبيح قتلها إلا قتالها و إذا قاتلت ثم تركت القتال في غزوة أخرى و استسلمت و انقادت لم يجز قتلها في هذه المرة الثانية و مع هذا فالنبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتلهن

و للحديث و جهان:

أحدهما: أن النبي صلى الله عليه و سلم قد كان عاهد أهل مكة و الظاهر أن عهده انتظم الكف عن الأذى باللسان فإن في كثير من الحديث ما يدل على ذلك و حينئذ فهؤلاء اللواتي هجونه نقضن العهد نقضا خاصا بهجائهن فكان للنبي عليه الصلاة و السلام قتلهن بذلك و إن تبن و هذه ترجمة المسألة

الثاني: أنه كان له أن يقتل من هجاه إذا لم يتب حتى قدر عليه و إن كان حربيا لكن سقط هذا كما يسقط بموته العفو عن المسلم و الذمي الساب و يكون قد كان أمر الساب هو مخير فيه مطلقا لكونه أعلم بالمصلحة فإذا مات تحتم قتل من التزم أن لا يسب و كان الحربي الساب كغيره من الحربيين إذا تاب

و هذا الوجه ضعيف فإنه إثبات حكم باحتمال و الأول جار على القياس و من تأمل قصة الذين أهدرت دماؤهم عام الفتح علم أنهم كلهم كانوا محاربين لله و رسوله ساعين في الأرض فسادا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت