الطريقة السادسة عشرة: أن الله سبحانه و تعالى أوجب لنبينا صلى الله عليه و سلم على القلب و اللسان و الجوارح حقوقا زائدة على مجرد التصديق بنبوته كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب و اللسان و الجوارح أمورا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه و حرم سبحانه لحرمة رسوله ـ مما يباح أن يفعل مع غيره ـ أمورا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته فمن ذلك: أنه أمر بالصلاة عليه و التسليم بعد أن أخبر أن الله و ملائكته يصلون عليه و الصلاة تتضمن ثناء الله عليه و دعاء الخير له و قربته منه و رحمته له و السلام عليه يتضمن سلامته من كل آفة فقد جمعت الصلاة عليه و التسليم جميع الخيرات ثم إنه يصلي سبحانه عشرا على من يصلي عليه مرة واحدة حضا للناس على الصلاة عليه ليسعدوا بذلك و ليرحمهم الله بها و من ذلك: أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن حقه أن يحب أن يؤثره العطشان بالماء و الجائع بالطعام و أنه يحب أن يوقى بالأنفس و الأموال كما قال سبحانه و تعالى: { ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } [ التوبة: 120 ]
فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المشقة معه حرام
و قال تعالى مخاطبا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر و الجهاد: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و ذكر الله كثيرا } [ الأحزاب: 21 ] و من حقه: أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه و ولده و جميع الخلق كما دل على ذلك قوله سبحانه: { قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم ـ إلى قوله ـ أحب إليكم من الله و رسوله } الآية [ التوبة: 24 ] مع الأحاديث الصحيحة المشهورة كما في الصحيح من قول عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فأنت و الله يا رسول الله أحب إلي من نفسي قال: الآن يا عمر و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين ] متفق عليه
و من ذلك: أن الله أمر بتعزيره فقال: { و تعزروه و توقروه } [ الفتح: 9 ] و التعزير: اسم جامع لنصره و تأييده و منعه من كل ما يؤذيه و التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة و طمأنينة من الإجلال و الإكرام و أن يعامل من التشريف و التكريم و التعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار
و من ذلك: أنه خصه في المخاطبة بما يليق به فقال: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } [ النور: 63 ] فنهى أن يقولوا: يا محمد أو يا أحمد أو يا أبا القاسم و لكن يقولوا: يل رسول الله يا نبي الله و كيف لا يخاطبونه بذلك و الله سبحانه و تعالى أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء فلم يدعه باسمه في القرآن قط بل يقول: { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها } [ الأحزاب: 28 ] { يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين } [ الأحزاب: 59 ] { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } [ الأحزاب: 50 ] { يا أيها النبي اتق الله } [ الأحزاب: 1 ] { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا } [ الأحزاب: 45 ] { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } [ الطلاق: 1 ] { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } [ التحريم: 1 ] { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } [ المائدة: 67 ] { يا أيها المزمل قم الليل } [ المزمل: 1 ] { يا أيها المدثر قم فأنذر } [ المدثر: 1 ] { يا أيها النبي حسبك الله } [ الأنفال: 64 ] مع أنه سبحانه قد قال: { و قلنا يا آدم اسكن أنت و زوجك } الآية [ البقرة: 25 ] { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } [ البقرة: 33 ] { يا نوح إنه ليس من أهلك } [ هود: 46 ] { يا إبراهيم أعرض عن هذا } [ هود: 76 ] { يا موسى إني اصطفيتك على الناس } [ الأعراف: 144 ] { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } [ ص: 26 ] { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك و على والدتك } [ المائدة: 110 ]
و من ذلك: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن و حرم رفع الصوت فوق صوته و أن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل و أخبر أن ذلك سبب حبوط العمل فهذا يدل على أنه يقتضي الكفر لأن العمل لا يحبط إلا به و أخبر أن الذين يغضون أصواتهم عنده هم الذين امتحنت قلوبهم للتقوى و أن الله يغفر لهم و يرحمهم و أخبر أن الذين ينادونه و هو في منزله لا يعقلون لكونهم رفعوا أصواتهم عليه و لكونهم لم يصبروا حتى يخرج و لكن أزعجوه إلى الخروج
و من ذلك: أنه حرم على الأمة أن يؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا تمييزا له مثل نكاح أزواجه من بعده فقال تعالى: { و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } [ الأحزاب: 53 ]
و أوجب على الأمة لأجله احترام أزواجه و جعلهن أمهات في التحريم و الأحترام فقال سبحانه و تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب: 6 ]
و أما ما أوجبه من طاعته و الانقياد لأمره و التأسي بفعله فهذا باب واسع لكن ذاك قد يقال: هو من لوازم الرسالة و إنما الغرض هنا أن ننبه على بعض ما أوجبه الله له من الحقوق الواجبة و المحرمة مما يزيد على لوازم الرسالة بحيث يجوز أن يبعث الله رسولا و لا يوجب له هذه الحقوق
و من كرامته المتعلقة بالقول: أنه فرق بين أذاه و أذى المؤمنين فقال تعالى: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ]
و قد تقدم أن في هذه الآية ما يدل على أن حد من سبه القتل كما أن حد من سب غيره الجلد
و من ذلك: أن الله رفع له ذكره فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه و لا تصح للأمة خطبة و لا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده و رسوله و أوجب ذكره في كل خطبة و في الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام و في الأذان الذي هو شعار الإسلام و في الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع
هذا إلى خصائص له أخر يطول تعدادها
و إذا كان كذلك فمعلوم أن سابه و منتقصه قد ناقض الإيمان به و ناقض تعزيزه و توقيره و ناقض رفع ذكره و ناقض الصلاة عليه و التسليم و ناقض تشريفه في الدعاء و الخطاب بل قابل أفضل الخلق بما لا يقابل به أشر الخلق
و يوضح ذلك أن مجرد إعراضه عن الإيمان به يبيح الدم مع عدم العهد و إعراضه عن هذه الحقوق الواجبة يبيح العقوبة فهذا بمجرد سكوته عن تشريفه و تكريمه و تعظيمه فإذا أتى بضد ذلك من الذم و السب و الانتقاص و الاستخفاف فلابد أن يوجب ذلك زيادة على الدم و العقاب فإن مقادير العقوبات على مقادير الجرائم ألا ترى أن الرجل لو قتل رجلا اعتباطا لكان عقوبته القود و هو التسليم إلى و لي المقتول فإن انضم إلى ذلك قتله لأخذ المال مجاهرة صارت العقوبة تحتم القتل فإن انضم إلى ذلك أخذ المال عوقب مع ذلك بالصلب و عوقب عند بعض العلماء أيضا بقطع اليد و الرجل حتما مع أن أخذ المال سرقة لا يوجب إلا قطع اليد فقط و كذلك لو قذف عبدا أو ذميا أو فاجرا لم يجب عليه إلا التعزيز فلو قذف حرا مسلما عفيفا لوجب عليه الحد التام فلو قيل: [ إنه لا يجب عليه مع ذلك إلا ما يجب على من ترك الإيمان به أو ترك العهد الذي بيننا و بينه ] لسوى بين الساكت عن ذمه و سبه و المبالغ في ذلك و هذا غير جائز كما أنه غير جائز التسوية بين الساكت عن مدحه و الصلاة عليه و المبالغ في ذلك و لزم في ذلك أن لا يكون لخصوص سبه و ذمه و أذاه عقوبة مع أنه من أعظم الجرائم و هذا باطل قطعا
و معلوم أن لا عقوبة فوق القتل ثم [ ليس ] سوى الزيادة على ذلك إلا تعين قتله و تحتمه تاب أو لم يتب كحد قاطع الطريق إذ لا يعلم أحد وجب أن يجلد لخصوص السب ثم يقتل للكفر إذا كانت العقوبة لخصوص السب كانت حدا من الحدود و هذه مناسبة ظاهرة قد دل على صحتها دلالات النصوص السالفة من كون السب موجبا للقتل و العلة إذا ثبتت بالنص أو بالإيماء لم يحتج إلى أصل يقاس عليه الفرع و بهذا يظهر أنا لم نجعل خصوص السب موجبا للقتل إلا بما دل عليه من الكتاب و السنة و الأثر لا بمجرد الاستحسان و الاستصلاح كما زعمه من لم يحظ بمآخذ الأحكام على أن الأصل الذي يقاس به هذا الفرع ثابت و هو:
الطريقة السابعة عشرة: و ذلك أنا وجدنا الأصول التي دل عليها الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة حكمت في المرتد و ناقض العهد حكمين فمن لم يصدر منه إلا مجرد الردة أو مجرد نقض العهد ثم عاد إلى الإسلام عصم دمه كما دل عليه كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد تقدم ذكر بعض ما يدل على ذلك في المرتد و هو ناقض العهد أيضا موجود بقوله في بعض من نقض العهد { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } [ التوبة: 27 ] و بأن النبي صلى الله عليه و سلم قبل إسلام من أسلم من بني بكر و كانوا قد نقضوا العهد و عدوا على خزاعة فقتلوهم و قبل إسلام قريش الذين أعانوهم على قتال المسلمين حتى انتقض عهدهم في حصره لقريظة و النضير مذكور أنهم لو أسلموا لكف عنهم و قد جاء نفر منهم مسلمين فعصموا دماءهم و أموالهم منهم ثعلبة بن سعية و أسد بن سعية و أسد بن عبيد أسلموا في الليلة التي نزل فيها بنو قريظة على حكم رسول الله عليه الصلاة و السلام و خبره مشهور و من تغلظت ردته أو نقضه بما يضر المسلمين إذا عاد إلى الإسلام لم تسقط عنه العقوبة مطلقا بل يقتل إذا كان جنس ما فعله موجبا للقتل أو يعاقب بما دونه إن لم يكن كذلك كما دل عليه قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا } الآية [ المائدة: 33 ] و كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم في قصة ابن أبي سرح و ابن زينم و في قصة ابن خطل و قصة مقيس بن صبابة و قصة العرنييين و غيرهم و كما دل عليه الأصول المقررة
فإن الرجل إذا اقترن بردته قطع طريق أو قتل مسلم أو زنا أو غير ذلك ثم رجع إلى الإسلام أخذت منه الحدود و كذلك لو اقترن بنقض عهده الإضرار بالمسلمين من قطع الطريق أو قتل مسلم أو زنا بمسلمة فإن الحدود تستوفى منه بعد الإسلام: إما الحد الذي يجب على المسلم لو فعل ذلك أو الحد الذي كان واجبا قبل الإسلام و هذا الرجل الساب قد وجد منه قدر زائد على مجرد نقض العهد كما قدمناه في الإضرار بالمسلم الذي صار به أغلظ جرما من مجرد ناقض العهد أو فعل ما هو أعظم من أكثر الأمور المضرة كما تقدم فصار بمنزلة من قرن بنقض عهده أذى المسلمين في دم أو مال أو عرض و أشد إذا كان كذلك فإسلامه لا يزيل عنه عقوبة هذا الإضرار كما دلت عليه الأصول في مثله و عقوبة هذا الإضرار قد قد ثبت أنه القتل بالنص و الإسلام الطارئ لا يمنع ابتداء هذه العقوبة فإن المسلم لو ابتدأ بمثل هذا قتل قتلا يسقط بالتوبة كما تقدم
و إذا لم يمنع الإسلام ابتداءها فأن لا يمنع بقاءها و دوامها أولى و أحرى لأن الدوام و البقاء أقوى من الأبتداء و الحدوث في الحسيات و العقليات و الحكميات
ألا ترى أن العدة الإحرام و الردة تمنع ابتداء النكاح و لا تمنع دوامه و الإسلام يمنع ابتداء وجوب القود وحد القذف على المسلم إذا قتل أو قذف ذميا و لا يمنع دوامه عليه إذا أسلم بعد القتل و القذف
و لو فرض أن الإسلام يمنع ابتداء قتل هذا فلا يجب أن يسقط القتل بإسلامه لأن الدوام أقوى من الابتداء و جاز أن يكون بمنزلة القود و حد القذف فإن الإسلام يمنع ابتداءه دون دوامه لا سيما و السب فيه حق لآدمي ميت و فيه جناية متعلقة بعموم المسلمين فهو مثل القتل في المحاربة ليس حقا لمعين و إذا كان كذلك وجب استيفاؤه كغيره من المحاربين المفسدين
يحقق ذلك أن الذمي إذا قطع الطريق و قتل مسلما فهو يعتقد في دينه جواز قتل المسلم و آخذ ماله و إنما حرمه عليه العهد الذي بيننا و بينه كما أنه يعتقد جواز السب في دينه و إنما حرمه عليه العهد و قطع الطريق قد يفعل استحلالا و قد يفعل استخفافا بالحرمة لغرض كما أن سب الرسول قد يفعل استخفافا بالحرمة لغرض فهو مثله من كل وجه إلا أن مفسدة ذلك في الدنيا و مفسدة هذا في الدين و هي أعظم من مفسدة الدنيا عند المؤمنين بالله العالمين به و بأمره فإذا أسلم قاطع الطريق فقد تجدد منه إظهار اعتقاد تحريم دم المسلم و ماله مع جواز أن لا يفي بموجب هذا الاعتقاد و كذلك إذا أسلم الساب فقد تجدد إظهار اعتقاد تحريم عرض الرسول مع جواز أن لا يفي بموجب هذا الاعتقاد فإذا كان هناك يجب قتله بعد إسلامه فكذلك يجب قتله هنا بعد إسلامه و يجب أن يقال: إذا كان ذلك لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة فكذلك هذا لا يسقط حده بالتوبة بعد القدرة
و من أمعن النظر لم يسترب في أن هذا محارب نفسد كما أن قاطع الطريق محارب مفسد
و لا يرد على هذا سب الله تعالى: لأن أحدا من البشر لا يسبه اعتقادا إلا بما يراه تعظيما و إجلالا كزعم أهل التثليث أن له صاحبه و ولدا فإنهم يعتقدون أن هذا من تعظيمه و التقرب إليه و من سبه لا على هذا الوجه فالقول فيه كالقول فيمن سب الرسول على أحد القولين ـ و هو المختار كما سنقرره ـ و من فرق قال: إنه تعالى لا تلحقه غضاضة و لا انتقاص بذلك و لا يكاد أحد يفعل ذلك أصلا إلا أنم يكون وقت غضب و نحو ذلك بخلاف سب الرسول فإنه يسبه ـ انتقاصا له و استخفافا به ـ سبا يصدر عن اعتقاد و قصد إهانة و هو من جنس تلحقه الغضاضة و يقصد بذلك و قد يسب تشفيا و غيظا و ربما حل منه في النفوس خبائل و نفر عنه بذلك خلائق و لا تزول نفرتهم عنه بإظهار التوبة كما لا تزول مفسدة الزنا و قطع الطريق و نحو ذلك بإظهار التوبة و كما لا يزول العار الذي يلحق بالمقذوف بإظهار القاذف التوبة فكانت عقوبة الكفر يندرج فيها ما يتبعه من سب الله سبحانه بخلاف سب الرسول
فإن قيل: قد تكون زيادة العقوبة على مجرد الناقض للعهد تحتم قتله ما دام كافرا بخلاف غيره من الكافرين فإن عقد الأمان و الهدنة و الذمة و استرقاقهم و المن عليهم و المفاداة بهم جائز في الجملة فإذا أتى مع حل دمه لنقض العهد أو لعدمه بالسب تعين قتله كما قررتموه و هكذا الجواب عن المواضع التي قتل النبي عليه الصلاة و السلام فيها من سبه أو أمر بقتله أو أمر أصحابه بذلك فإنها تدل على أن الساب يقتل و إن لم يقتل من هو مثله من الكافرين
و كذلك قال النبي عليه الصلاة و السلام ليهود في قصة ابن الأشرف: [ إنه لوقر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل و لكنه نال منا و هجانا بالشعر و لم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف ]
و إذا كان كذلك فيكون القتل وجب لأمرين: للكفر و لتغلظه بالسب كما يجب قتل المرتد للكفر و لتغلظه بترك الدين الحق و الخروج منه فمتى زال الكفر زال الموجب للذم فلم يستقل بقاء أثر السب بإحلال الدم و تبع الكفر في الزوال كما تبعه في الحصول فإنه فرع للكفر و نوع منه فإذا زال الأصل زالت جميع فروعه و أنواعه
و هذا السؤال قد يمكن تقريره في سب من يدعي الإسلام بناء على أن السب فرع للردة و نوع منها و قد لا يمكن: لأنه يتجدد من هذا بعد السب ما لم يكن موجودا حال السب بخلاف الكافر
قلنا: و هذا أيضا دليل علىأن قتل الساب حد من الحدود فإنه قد تقدم أنه يجب قتله إن كان معاهدا و لا يجوز استبقاؤه بعد السب بأمان و لا استرقاق و لو كان إنما يقتل لكونه كافرا محاربا لجاز أمانه و استرقاقه و المفاداة به فلما كان جزاؤه القتل علم أن قتله حد من الحدود و ليس بمنزلة قتل سائر الكفار
و من تأمل الأدلة الشرعية نصوصها و مقاييسها ـ مما ذكرناه و مما لم نذكره ـ ثم ظن بعد هذا أن قتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد كقتل الأسير فليس على بصيرة من أمره و لا ثقة من رأيه
و ليس هذا من المسالك المحتملة بل من مسالك القطع فإن من تأمل دلالات الكتاب و السنه و ما كان عليه سلف الأمة و ما توجبه الأصول الشرعية علم قطعا أن للسب تأثيرا في سفح الدم زائدا على تأثير مجرد الكفر الخالي عن عهد
نعم قد يقال: هو مقتول بمجموع الأمرين بناء على أن كفر الساب نوع مغلظ لا يحتمل الاستبقاء ككفر المرتد فيكون مقتولا لكفره و سبه و يكون القتل حدا بمعنى أنه يجب إقامته ثم يزول موجبه بالتوبة كقتل المرتد فهذا ليس بمساغ لكن فيما تقدم ما يضعف هذا الوجه و مع هذا فإنه لا يقدح في كون قتل الساب حدا من الحدود وجب لما في خصوص ظهور سب الرسول من المفسدة
و إنما يبقى أن يقال: هذا الحد هل يسقط بالإسلام أم لا ؟
فنقول: جميع ما ذكرناه من الدلالات و إن دلت على وجوب قتله بعد إظهار التوبة فهي دالة على أن قتله حد من الحدود و ليس بمجرد الكفر و هي دالة على هذا بطريق القطع لما ذكرناه من تفريق الكتاب و السنة و الإجماع بين من اقتصر على الكفر الأصلي أو الطارئ أو نقض العهد و بين من سب الرسول من هؤلاء و إذا لم يكن القتل لمجرد الكفر لم يبق إلا أن يكون حدا و إذا ثبت أنه يقتل لخصوص السب لكونه حدا من الحدود ـ لا لعموم كونه كافرا غير ذي عهد أو لعموم كونه مرتدا ـ فيجب أن لا يسقط بالتوبة و الإسلام لأن الإسلام و التوبة لا يسقطان شيئا من الحدود الواجبة قبل ذلك إذا كانت التوبة بعد الثبوت و الرفع إلى الإمام بالاتفاق
و قد دل القرآن على أن حد قاطع الطريق و الزاني و السارق و القاذف لا يسقط بالتوبة بعد التمكن من إقامة الحد
و دلت السنة على مثل ذلك في الزاني و غيره و لم يختلف المسلمون فيما علمناه أن المسلم إذا زنى أو سرق أو قطع الطريق أو شرب الخمر فرفع إلى السلطان و ثبت عليه الحد ببينة ثم تاب من ذلك أنه تجب إقامة الحد عليه إلا أن يظن أحد في ذلك خلافا شاذا لا يعتد به فهذه حدود الله و كذلك لو وجب عليه قصاص أو حد أو قذف أو عقوبة سب لمسلم أو معاهد ثم تاب من ذلك لم تسقط عنه العقوبة و كذلك أيضا لم يختلفوا فيما علمناه أمن الذمي لو وجب عليه حد قطع الطريق أو حد السرقة أو قصاص أو حد قذف أو تعزير ثم أسلم و تاب من ذلك لم يسقط عنه ذلك و كذلك أيضا لو زنى فإنه إذا وجب عليه حد الزنا ثم أسلم لم يسقط عنه بل يقام عليه حد الزنا عند من يقول بوجوبه قبل الإسلام و يقتل حتما عند الإمام أحمد إن كان زنا نقض عهده
هذا مع [ أن ] الاسلام يجب ما قبله و التوبة تجب ما قبلها فيغفر للتائب ذنبه مع إقامة الحد عليه تطهيرا له و تنكيلا للناس عن مثل تلك الجريمة فتحصل بإقامة الحد المصلحة العامة ـ و هي زجر الملتزمين للاسلام أو الصغار عن مثل ذلك الفساد ـ فإنه لو لم يقم الحد عند إظهار التوبة لم يتأت إقامة حد في الغالب فإنه لا يشاء المفسد في الأرض إذا أخذ أن يظهر التوبة إلا أظهرها و أوشك كل من هم بعظيمة من العظائم من الأقوال أو الأفعال أن يرتكبها ثم إذ أحيط به قال: إني تائب
و معلوم أن ذلك لو درأ الحد الواجب لتعطلت الحدود و ظهر الفساد في البر و البحر و لم يكن في شرع العقوبات و الحدود كثير مصلحة و هذا ظاهر لا خفاء به
ثم الجاني لو تاب توبة نصوحا فتلك نافعة فيما بينه و بين الله يغفر له ما سلف و يكون الحد تطهيرا و تكفيرا لسيئته و هو من تمام التوبة كما قال ماعز ابن مالك للنبي صلى الله عليه و سلم: [ طهرني ] و قد جاء تائبا و قال تعالى لما ذكر كفارة قتل الخطأ: { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله و كان الله عليما حكيما } [ النساء: 92 ] و قال تعالى في كفارة الظهار: { ذلكم توعظون به } [ المجادلة: 3 ]
فيشتمل الحد مع التوبة على مصلحتين عظيمتين:
مصلحة زجر النفوس عن مثل تلك الجريمة و هي أهم المصلحتين فإن الدنيا في الحقيقة ليست دار كمال الجزاء و إنما كمال الجزاء في الآخرة و إنما الغالب في العقوبات الشرعية الزجر و النكال و إن كان فيها مقاصد آخر كما أن غالب مقصود العدة براءة الرحم و إن كان فيها مقاصد أخر و لهذا كانت هذه المصلحة مقصودة في كل عقوبة مشروعة
و المصلحة الثانية: تطهير الجاني و تكفير خطيئته إن كان له عند الله خير أو عقوبة و الانتقام منه إن لم يكن كذلك و قد يكون زيادة في ثوابه و رفعة في درجاته
و نظير ذلك المصائب المقدرة في النفس و الأهل و المال فإنها تارة تكون كفارة و طهورا و تارة تكون زيادة في الثواب و علوا في الدرجات و تارة تكون عقابا و انتقاما
لكن إذا تاب الإنسان سرا فإن الله يقبل توبته سرا و يغفر له من غير إحواج له إلى أن يظهر ذنبه حتى يقام حده عليه أما إذا أعلن الفساد بحيث يراه الناس و يسمعونه حتى شهدوا به عند السلطان أو اعترف به هو عند السلطان فإنه لا يطهره ـ مع التوبة بعد القدرة ـ إلا إقامته منه عليه إلا أن في التوبة ـ إذا كان الحد لله و ثبت بإقراره ـ خلافا سنذكره إن شاء الله تعالى و لهذا قال عليه الصلاة و السلام: [ تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ] و قال النبي عليه الصلاة و السلام لما شفع إليه في السارقة: [ تطهر خيرا لها ] و قال: [ من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ] و قال: [ من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من يبدو لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ]
إذا تبين ذلك فنقول: هذا الذي أظهر سب رسول الله عليه الصلاة و السلام من مسلم و معاهد قد أتى بهذه المفسدة التي تضمنت ـ مع الكفر ونقض العهد ـ أذى الله و رسوله و انتهاك تلك الحرمة التي هي أفضل حرمة المخلوقين و الوقيعة في عرض لا يساوي غيره من الأعراض و الطعن في صفات الله و أفعاله و في دين الله و كتابه و جميع أنبيائه و المؤمنين من عباده فإن الطعن في واحد من الأنبياء طعن في جميع الأنبياء كما قال سبحانه و تعالى: { أولئك هم الكافرون حقا } [ النساء: 151 ] و طعن في من آمن بنبينا من الأنبياء و المؤمنين المتقدمين و المتأخرين و قد تقدم تقرير هذا
ثم هذه العظيمة صدرت ممن التزم بعقد إيمانه أو أمانه أنه لا يفعل ذلك فإذا وجبت عقوبته على تلك الجريمة لخصوصها كما تقدم ـ امتنع أن يسقط بما يظهره من التوبة كما تقدم أيضا
ثم هنا مسلكان:
المسلك الأول ـ و هو مسلك طائفة من أصحابنا و غيرهم ـ أن يقتل حدا لله كما يقتل لقطع الطريق و للردة و للكفر لأن السب للرسول عليه الصلاة و السلام قد تعلق به حق الله و حق كل مؤمن فإن أذاه ليس مقصورا على رسول الله عليه الصلاة و السلام فقط كمن يسب واحدا من عرض الناس بل هو أذى لكل مؤمن كان و يكون بل هو عندهم من أبلغ أنواع الأذى و يود كل مؤمن منهم أن يفتدى هذا العرض بنفسه و أهله و عرضه و ماله كما تقدم ذكره عن الصحابة من أنهم كانوا يبذولون دماءهم في صون عرضه و كان رسول الله عليه الصلاة و السلام يمدح من فعل ذلك سواء قتل أو غلب و يسميه ناصرا لله و رسوله و لو لم يكن السب أعظم من قتل بعض المسلمين لما جاز بذل الدم في درئه كما لا يجوز بذل الدم في صون عرض واحد من الناس و قد قال حسان بن ثابت يخاطب أبا سفيان بن الحارث:
( هجوت محمدا فأجبت عنه ... و عند الله في ذاك الجزاء )
( فإن أبي و والدتي و عرضي ... لعرض محمد منكم وقاء )
و ذلك أنه انتهاك للحرمة التي نالوا بها سعادة الدنيا و الآخرة و بها ينالها كل واحد سواهم و بها يقام دين الله و يرضى الله عن عباده و يحصل ما يحبه و ينتفي ما يبغضه كما أن قاطع الطريق و إن قتل واحدا فإن مفسدة قطع الطريق تعم جميع الناس فلم يفوض الأمر فيه إلى ولي المقتول
نعم كان الأمر في حياة النبي عليه الصلاة و السلام مفوضا إليه فيمن سبه: إن أحب عفا عنه و إن أحب عاقبه و إن كان في سبه حق الله و لجميع المؤمنين لأن الله سبحانه يجعل حقه في العقوبة تبعا لحق العبد كما ذكرناه في القصاص و حقوق الآدميين تابعة لحق الرسول فإنه أولى بهم من أنفسهم و لأن في ذلك تمكينه صلى الله عليه و سلم من أخذ العفو و الأمر بالعرف و الإعراض عن الجاهلين الذي أمره الله تعالى به في كتابه و تمكينه من العفو و الإصلاح الذي يستحق به أن يكون أجره على الله و تمكينه من أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة كما أمره الله و تمكينه من استعطاف النفوس و تأليف القلوب على الإيمان و إجتماع الخلق عليه و تمكينه من تركم التنفير عن الإيمان و ما يحصل بذلك من المصلحة يغمر ما يحصل باستبقاء الساب من المفسدة كما دل عليه قوله تعالى: { و لو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم و شاورهم في الأمر } [ آل عمران: 159 ]