ولهم [ إن السب من فروع الكفر و أنواعه ] فإن غنوا أن الكفر يوجب ذلك فليس بصحيح و إن عنوا أن الكفر يبيح ذلك فنقول: لكن عقد الذمة حرم عليه في دينه إظهار ذلك كما حرم قتل المسلمين و سرقة أموالهم و قطع طريقهم و افتراش نسائهم و كما حرم قتالهم و إن كان دينهم يبيح له ذلك كله فإذا هو آذى المسلمين بما يقتضيه الكفر المجرد عن عهد فإنه يعاقب على ذلك و إن زال الكفر الموجب لذلك فيقتل و يقطع و يعاقب كذلك هنا على ما آذى به الله و رسوله و المؤمنين مما يخالف عهده و إن كان دينه يبيحه
و قولهم [ إن الزاني و السارق و قاطع الإسلام و بعده سواء ] قلنا: هو مثل الساب لأنه قبل الإسلام يعتقد استحلال دماء المسلمين و أموالهم و أعراضهم لولا العهد الذي بينهم و بينه و بعد الإسلام إنما يعتقد تحريمها لأجل الدين و كذلك انتهاكه لعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم يعتقد حله لولا العهد الذي بيننا و بينه و بعد الدين إنما يمنعه منه الدين و لا فرق بين أن يضر المسلمين في دينهم أو دنياهم
و أما قولهم [ إنما وجب قتله لأجل الأمرين فيسقط بزوال أحدهما ] فنقول: بل اجتمع فيه سببان كل منهما يوجب نوعا من القتل مخالفا للنوع الآخر و إن كان أحدهما يستلزم الآخر فالكفر يوجب القتل للكفر الأصلي أو للكفر الارتدادي و له أحكام معروفة و السب يوجب القتل لخصوصه حتى يندرج فيه قتل الكفر و قتل الردة و هذا القتل هو المغلب في حق مثل هذا حتى كان رسول الله صلى الله عليه و سلم له القتل و العفو و له القتل مع امتناع القتل بالكفر و الردة و له القتل بعد سقوط القتل بالكفر و الردة كما قدمنا من الدلائل على ذلك أثرا و نظرا و بينا أن في خصوص السب ما يقتضي القتل لو فرض تجرده عن الكفر و الردة فإذا انفصل عنه في أثناء الحال فسقط موجب الكفر و الردة لم يسقط موجب السب و قد قدمنا في المسألة الثانية دلائل على ذلك
ثم نقول: هب أنه وجب لأجل الأمرين فالقتل الواجب لكفر متغلظ بالإضرار إذا زال لا تسقط عقوبة فاعله فوجب أن لا تسقط عقوبة فاعل هذا و العقوبة التي استحقها هي القتل و أيضا فإن الإسلام الطارئ لا يمنع ما وجب من العقوبة و إن كان الإسلام يمنع وجوبها ابتداء كالقتل قودا و كحد القذف فإنه إنما يجب بشرط كون الفاعل ذميا و لا يسقط بإسلامه بعد ذلك إذا كان المقتول و المقذوف ذميا
و أيضا فإن الإسلام لا يمنع قتل الساب ابتداء فإنه لا يمنع قتله دواما بطريق الأولى فقوله: [ اجتمع سببان فزال أحدهما ] ممنوع بل الموجب لقتل هذا لم يزل