فإن قيل: فقد فقال تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ـ إلى قوله ـ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه و يقولون سمعنا و عصينا و اسمع غير مسمع و راعنا ليا بألسنتهم و طعنا في الدين } [ النساء: 44 ـ 46 ]
و قولهم: [ اسمع غير مسمع ] مثل قولهم: اسمع لا سمعت و اسمع غير مقبول منك لأن من لا يقصد إسماعه لا يقبل كلامه
و قولهم: [ راعنا ] قال قتادة و غيره: كانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه و سلم: راعنا سمعك يستهزئون بذلك و كانت في اليهود قبيحة
و روى الإمام أحمد عن عطية قال:[ كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله له ما قالت اليهود
و قال عطاء الخراساني: [ كان الرجل يقول: أرعنا سمعك و يلوي بذلك لسانه و يطعن في الدين ]
و ذكر بعض أهل التفسير أن هذه اللفظة كانت سبا قبيحا بلغة اليهود
فهؤلاء قد سبوه [ صلى الله عليه و سلم ] بهذا الكلام و لووا ألسنتهم به و استهزءوا به و طعنوا في الدين و مع ذلك لم يقتلهم الني صلى الله عليه و سلم
قلنا: عن ذلك أجوبة:
أحدها: أن ذلك كان في حال ضعف الإسلام في الحال التي أخبر الله عن رسوله و المؤمنين أنهم يسمعون من الذين أوتوا الكتاب و المشركين أذى كثيرا و أمرهم بالصبر و التقوى ثم إن ذلك نسخ عند القوة بالأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون و الصاغر لا يفعل شيئا من الأذى في الوجه ن و من فعله ليس بصاغر
ثم إن من يسمي ذلك نسخا لتغيير الحكم و منهم من لا يسميه نسخا لأن الله أمرهم بالصفح و العفو إلى أن يأتي بأمره و قد أتى الله بأمره من عز الإسلام و إظهاره و الأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون
و هذا مثل قوله تعالى: { فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } [ النساء: 15 ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ قد جعل الله لهن سبيلا ] فبعض الناس يسمي ذلك نسخا و بعضهم لا يسميه نسخا و الخلاف لفظي
و من الناس من يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه و ذلك لا يكون منسوخا إذ المنسوخ ما ارتفع في جميع الأزمنة المستقبلة
و بالجملة فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه و سلم كان مفروضا عليه لما قوي أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب و المشركين و مظهري النفاق من العفو و الصفح إلى قتالهم و إقامة الحدود عليهم سمي نسخا أو لم يسم
و الجواب الثاني: أن النبي صلى الله عليه و سلم كان له أن يعفو عمن سبه و ليس للأمة أن تعفو عمن سبه كما قد كان يعفو عمن سبه من المسلمين مع أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب قتل من سبه من المسلمين
الجواب الثالث: أن هذا ليس بإظهار للسب و إنما هو إخفاء له بمنزلة [ السام عليكم ] و بمنزلة ظهور النفاق في لحن القول لأنهم كانوا يظهرون أنهم يقصدون مسألته أن يسمع كلامهم و أن يراعيهم فينتظرهم حتى يقضوا كلامهم و حتى يفهموا كلامه و يأتونه على هذا الوجه ثم إنهم يلوون ألسنتهم بالكلام و ينوون به الاستهزاء و السب و الطعن في الدين كما يلوون ألسنتهم بالسام و ينوون به الدعاء عليه بالموت و اليهود أمة معروفة بالنفاق و الخبث و أن تظهر خلاف ما تبطن و لكن ذلك لا يوجب إقامة الحد عليهم
و لو كان هذا سبا ظاهرا لما كان المسلمون يخاطبون بمثل ذلك قاصدين به الخير حتى نهوا عن التكلم بكلام يحتمل الاستهزاء و يوهمه بحيث يصير سبا بالنية و دلالة الحال
و ذلك أن هذه اللفظة كانت العرب تتخاطب بها لا تقصد سبا قال عطاء: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية و قال أبو العالية: إن مشركي العرب إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك فنهوا عن ذلك و كذلك قال الضحاك و ذلك أن العرب تقول: أرعيته سمعي إرعاء إذا فرغته لكلامه لأنك جعلت السمع يرعى كلامه و يقول [ راعيته سمعي ] بهذا المعنى لكن كانت اليهود تعتقدها سبا بينها: إما لما فيها من الاشتراك فإنها كما تستعمل في استرعاء السمع تستعمل بمعنى المفاعلة كأنه قيل: راعني حتى أراعيك و هذا إنما يكون بين الأمثال و النظراء و مرتبة الرئيس أعلى من ذلك
أو أن اليهود ينوون بها معنى الرعونة أو فيها طلب حفظ الكلام و الاهتمام به و هذا إنما يكون من الأعلى للأسفل لأن الرعاية هي الحفظ و الكلاءة و منه استرعاء الشاة
و قد غلبت في عرفهم و لغتهم على معنى رديء كما قيل: إنهم ينوون بها اسمع لا سمعت و بالجملة إنما يصير مثل هذا سبا بالنية و لي اللسان و نحوه فنهي المسلمون عنها حسما لمادة التشبيه باليهود و تشبه اليهود بهم و جعل ذلك ذريعة إلى الاستهزاء به و لما يحتمله لفظها من قلة الأدب في مخاطبة الرسول صلى الله عليه و سلم
الجواب الرابع: ما ذكره بعض أهل التفسير الذي ذكر أنها كانت سبا قبيحا بلغة اليهود قال: كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله و أرعنا سمعك يعنون من المراعاة و كانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها و قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم و كانوا يأتونه و يقولون: راعنا يا محمد و يضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها و كان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله و الذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه و سلم لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها ؟ فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } [ البقرة: 104 ] لكيلا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في لغة العرب و لغة العبرانيين و أن المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها و أعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم و مبيح لدمائهم و هذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت دماؤهم و إنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب و الكلام في السب الظاهر و هو ما يفهم منه السب
فإن قيل: أهل الذمة قد أقررناهم على دينهم و من دينهم استحلال سب النبي صلى الله عليه و سلم فإذا قالوا ذلك لم يقولوا غير ما أقررناهم عليه و هذا نكتة المخالف
قلنا: و من دينهم استحلالا قتال المسلمين و أخذ أموالهم و محاربتهم بكل طريق و مع هذا فليس لهم أن يفعلوا ذلك بعد العهد و متى فعلوه نقضوا العهد و ذلك لأنا و إن كنا نقرهم على أن يعتقدوا ما يعتقدونه و يخفوا ما يخفونه فلم نقرهم على أن يظهروا ذلك و يتكلموا به بين المسلمين و نحن لا نقول بنقض عهد الساب حتى نسمعه يقول ذلك أو يشهد به المسلمون و متى حصل ذلك كان قد أظهره و أعلنه
و تحرير الجواب أن كلتا المتقدمين باطلة