الوجه الثالث: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله و كثيره و غليظه و خفيفه في كونه مبيحا للدم سواء كان قولا أو فعلا كالردة و الزنا و المحاربة و نحو ذلك و هذا هو قياس الأصول فمن زعم أن من الأقوال أو الأفعال ما يبيح الدم إذا كثر و لا يبيحه مع القلة فقد خرج عن قياس الأصول و ليس له ذلك إلا بنص يكون أصلا بنفسه و لا نص يدل على إباحة القتل في الكثير دون القليل و ما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه القتل بالمثقل و الفاحشة في الدبر دون القبل إنما هو حكاية مذهب و الكلام في الجميع واحد
ثم إنه قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه رضخ رأس يهودي بين حجرين لأنه فعل ذلك بجارية من الأنصار فقد قتل من قتل بالمثقل قودا مع أنه لم يتكرر منه و قال في الذي يعمل عمل قوم لوط [ اقتلوا الفاعل و المفعول به ] و لم يعتبر التكرر و كذلك أصحابه من بعده قتلوا فاعل ذلك إما رجما أو حرقا أو غير ذلك مع عدم التكرر
و إذا كانت الأصول المنصوصة أو المجمع عليها مستوية في إباحة الدم بين المرة الواحدة و المرات المتعددة كان الفرق بينهما في إباحة الدم إثبات حكم بلا أصل و لا نظير له بل على خلاف الأصول الكلية و ذلك غير جائز
يوضح ذلك: أن ما ينقص الإمان من الأقوال يستوي فيه واحده و كثيره و إن لم يصرح بالكفر كما لو كفر بآية واحدة أو بفريضة ظاهرة أو بسب الرسول مرة واحدة فإنه كما [ لو ] صرح بتكذيب الرسول
و كذلك ما ينقض الإمان من الأقوال لو صرح به و قال: [ قد نقضت العهد و برئت من ذمتك ] انتقض عهده بذلك ويكرره فكذلك ما يستلزم ذلك من السب و الطعن في الدين و نحو ذلك لا يحتاج إلى تكرير
الوجه الرابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال و الأفعال فإما أن يقتل لأن جنسها مبيح للدم أو لأن المبيح قدر مخصوص فإن كان الأول فهو المطلوب و إن كان الثاني فما حد ذلك المقدار المبيح للدم ؟ و ليس لأحد أن يحد في ذلك حدا إلا بنص أو إجماع أو قياس عند من يرى القياس في المقدرات و الثلاثة منفية في مثل هذا فإنه ليس في الأصول قول أو فعل يبيح الدم منه عدد مخصوص فلا يبيحه أقل منه و لا ينتقض هذا بالإقرار في الزنا فإنه لا يثبت إلا بأربع مرات عند من يقول به أو القتل بالقسامة فإنه لا يثبت إلا بعد خمسين يمينا عند من يرى القود بها أو رجم الملاعنة فإنه لا يثبت إلا بعد أن يشهد الزوج أربع مرات عند من يرى أنها ترجم بشهادة الزوج إذا نكلت لأن المبيح للدم ليس هو الإقرار و لا الأيمان و إنما المبيح فعل الزنا أو فعل القتل و إنما الإقرار و الأيمان حجة و دليل على ثبوت ذلك و نحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نصب محدودة و إنما قلنا: إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع و إنما الحكم معلق بجنسه
الوجه الخامس: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدا يجب فعله أو تعزيرا يرجع إلى رأي الإمام فإن كان الأول فلا بد من تحديد موجبه و لا حد له إلا تعليقه بالجنس إذ القول بما سوى ذلك تحكم و إن كان الثاني فليس في الأصول تعزير بالقتل فلا يجوز إثباته إلا بدليل يخصه و العمومات الواردة في ذلك مثل قوله صلى الله عليه و سلم: [ لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ]
تدل على ذلك أيضا
الوجه الثاني من الاستدلال به: أن النفر الخمسة الذين من المسلمين: محمد بن مسلمة و أبا نائلة و عباد بن بشر و الحارث بن أوس و أبا عبس بن جبر قد أذن لهم النبي صلى الله عليه و سلم أن يغتالوه و يخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد آمنوا و وافقوه ثم يقتلوه و من المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه و كلمه على ذلك صار مستأمنا قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما رواه عنه عمرو بن الحمق [ من أمن رجلا على دمه و ماله ثم قتله فأنا منه بريء و إن كان المقتول كافرا ] رواه الإمام أحمد و ابن ماجه
و عن سليمان بن صرد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ إذا أمنك الرجل على دمه فلا تقتله ] رواه ابن ماجه
و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن ] رواه أبو داود و غيره