حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشتري، استغزرها، فجائز أن يكون من الصر [1] ، إلا أنه لما اجتمع في الكلمة ثلاث راءات، قلبت الثالثة ياءً، كما قالوا: تقضَّى في تقضَّض، وتصرَّى في تصرَّرَ، كراهيةً لاجتماع الأمثال [2] .
واستشهدوا لهذا بقول مالك بن نُويرة حين جمع بنو يربوع صدقاتهم ليوجهوا بها إلى الصدِّيق الأعظم أبي بكر - رضي الله عنه -، فمنعهم من ذلك، وقال: [من الطويل]
وَقُلْتُ خُذُوهَا هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَحْلابُها لَمْ تُجَرَّدِ
سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ ما تَجِدُونَهُ ... وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِما قُلْتُهُ يَدِي [3]
واعلم: أنه لا خلاف بين العلماء أن التصرية حرام، لأجل الغش والخديعة التي فيها للمشتري، والنهي يدل عليه مع علم تحريم الخديعة قطعًا [4] .
ومعتمد مذهبنا: يثبت لمشترٍ بالتدليس الردُّ، ولو حصل التدليس في البيع بلا قصد من أحد؛ لأن عدم القصد لا أثر له في إزالة الضرر الحاصل للمشتري، وفيه وجه [5] .
(1) انظر:"الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي"للأزهري (ص: 206 - 207) .
(2) انظر:"المطلع على أبواب المقنع"لابن أبي الفتح (ص: 236) .
(3) انظر:"غريب الحديث"لأبي عبيد (2/ 240 - 242) ، و"معالم السنن"للخطابي (5/ 84 - 85) ، و"مشارق الأنوار"للقاضي عياض (2/ 43) ، و"النهاية في غريب الحديث"لابن الأثير (3/ 27) ، و"شرح مسلم"للنووي (10/ 160 - 161) ، و"تهذيب الأسماء واللغات"له أيضًا (3/ 166) .
(4) انظر:"شرح عمدة الأحكام"لابن دقيق (3/ 116) .
(5) انظر:"شرح منتهى الإرادات"للبهوتي (3/ 200) .