قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله:"كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَركَ خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف"، ثم قال تعالى ذكره:"فمن خافَ من مُوص"-لمن أمرته بالوصية له-"جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم"-وبين من أمرته بالوصية له-"فلا إثم عليه". والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي.
قال أبو جعفر: وقد قرئ قوله:"فمنْ خَافَ منْ مُوص"بالتخفيف في"الصاد"والتسكين في"الواو"- وبتحريك"الواو"وتشديد"الصاد".
فمن قرأ ذلك بتخفيف"الصاد"وتسكين"الواو"، فإنما قرأه بلغة من قال:"أوصيتُ فلانًا بكذا".
ومن قرأ بتحريك"الواو"وتشديد"الصاد"، قرأه بلغة من يقول:"وصَّيت فلانًا بكذا". وهما لغتان للعرب مشهورتان:"وصَّيتك، وأوصيتك" (1)
وأما"الجنف"، فهو الجورُ والعدول عن الحق في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: (2)
هُمُ المَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا ... وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ (3)
يقال منه:"جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف"-إذا مال عليه وجَار-"جَنفًا".
(1) انظر تفسير (وصى) فيما سلف من هذا الجزء 3: 93-96.
(2) هو عامر الخصفي، من بني خصفة بن قيس عيلان.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة: 66، 67، ومشكل القرآن: 219، واللسان (جنف) (ولي) . والمولى: ابن العم، وأقام المفرد مقام الجمع، وأراد"المولى"، قال أبو عبيدة هو كقوله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) وزور جمع أزور: وهو المائل عن الشيء. يقول: هم أبناء عمنا، ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم، لما لهم من حق الرحم.