البينات والحجج، إذ بعثناه إليكم، وقويناه بروح القدس، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس، فكذبتم بعضا منهم. وقتلتم بعضا. فهذا فعلكم أبدا برسلي.
وقوله: (أفكلما) ، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب، فهو بمعنى الخبر.
القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}
قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: (وقالوا قلوبنا غُلْف) مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. وقرأه بعضهم:"وقالوا قلوبنا غُلُف"مثقلة اللام مضمومة.
فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها، فإنهم تأولوها، أنهم قالوا: قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف. و"الغلْف"-على قراءة هؤلاء- جمع"أغلف"، وهو الذي في غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذي لم يختتن"أغلف"، والمرأة"غلفاء". وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه:"سيف أغلف"، وقوس غلفاء"وجمعها"غُلْف"، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على"أفعل"وأنثاه على"فعلاء"، يجمع على"فُعْل"مضمومة الأول ساكنة الثاني، مثل:"أحمر وحمر، وأصفر وصفر"، فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير. ولا يجوز تثقيل عين"فعل"منه، إلا في ضرورة شعر، كما قال طرفة بن العبد: (1) "
أيها الفتيان في مجلسنا ... جردوا منها وِرادا وشُقُر
(1) ديوانه (أشعار الستة الجاهليين) : 331، من قصيدة نفيسة.