فهرس الكتاب

الصفحة 2140 من 14577

إذا قال لرجل:"أنى لك هذا المال"؟ يريد: من أيّ الوجوه لك. ولذلك يجيب المجيبُ فيه بأن يقول:"من كذا وكذا"، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: (أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [سورة آل عمران: 37] . وهي مقاربة"أين"و"كيف"في المعنى، ولذلك تداخلت معانيها، فأشكلت"أنَّى"على سامعيها ومتأوِّليها، (1) حتى تأوَّلها بعضهم بمعنى:"أين"، وبعضهم بمعنى"كيف"، وآخرون بمعنى:"متى"- وهي مخالفة جميع ذلك في معناها، وهن لها مخالفات.

وذلك أن"أين"إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال - وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلا لو سأل آخر فقال:"أين مالك"؟ لقال:"بمكان كذا"، ولو قال له:"أين أخوك"؟ لكان الجواب أن يقول:"ببلدة كذا أو بموضع كذا"، فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله. فيعلم أن"أين"مسألة عن المحل.

ولو قال قائل لآخر:"كيف أنت"؟ لقال:"صالح، أو بخير، أو في عافية"، وأخبره عن حاله التي هو فيها، فيعلم حينئذ أن"كيف"مسألةٌ عن حال المسؤول عن حاله.

ولو قال له:"أنَّى يحيي الله هذا الميت؟"، لكان الجواب أن يقال:"من وجه كذا ووجه كذا"، فيصف قولا نظيرَ ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) [سورة البقرة: 259] فعلا (2) حين بعثه من بعد مماته.

(1) في المخطوطة:"على سامعيها ومتاولها"بالجمع مرة والإفراد أخرى. وفي المطبوعة:"على سامعها ومتأولها"بالإفراد.

(2) قوله"فعلا"مفعول قوله:"نظير ما وصف الله. . . فعلا"يعني أن الله تعالى وصف بعد ذلك"فعلا"وهذا الفعل هو بعثه من بعد مماته، وذلك قول الله تعالى في عقب ذلك:

فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت