الميراث قط فيخرج منه، ولكنه لما حرمه، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه، قيل:"أخرجه منه"، وكقول القائل:"أخبرني فلان من كتيبته"، يعني لم يجعلني من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك. فكذلك قوله:"يخرجونهم من النور إلى الظلمات"، محتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر على هذا المعنى، (1) وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية. (2) .
فإن قال لنا قائل: وكيف قال:"والذين كفروا أولياءهم الطاغوت يخرجونهم من النور"، فجمع خبر"الطاغوت"بقوله:"يخرجونهم"، و"الطاغوت"واحد؟
قيل: إن"الطاغوت"اسم لجماع وواحد، وقد يجمع"طواغيت". وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد، كان نظير قولهم:"رجل عدل، وقوم عدل"و"رجل فطر وقوم فطر"، (3) وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي موحدا في اللفظ واحدها وجمعها، (4) وكما قال العباس بن مرداس:
فَقُلْنَا أَسْلِمُوا إِنَّا أَخُوكُمْ ... فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ (5)
(1) في المطبوعة:"يحتمل"بالياء في أوله، وأثبت ما في المخطوطة.
(2) في المطبوعة والمخطوطة معا:"مجاهد وغيره"، وهو خطأ، وانظر التعليق السالف: ص: 427 تعليق: 1.
(3) أي رجل مفطر، وقوم مفطرون.
(4) في المطبوعة:"التي تأتي موحدة في اللفظ ..."، وفي المخطوطة:"التي يأتي موحد في اللفظ"والصواب ما أثبت.
(5) سيرة ابن هشام 4: 95 واللسان (أخو) ومجاز القرآن 1: 79، من قصيدة له طويلة في يوم حنين، وفي هزيمة هوازن: ويذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه، وذا الخمار وحبسه قومه للموت، وبعد البيت: كأن القوم - إذ جاؤوا إلينا ... من البغضاء بعد السلم - عور
وهو يخاطب هوازن بن منصور بن عكرمة، إخوة سليم بن منصور، وهم قوم العباس بن مرداس السلمي. وهذا البيت يجعلونه شاهدا على جمع"أخ"بالواو والنون كقول عقيل بن علقة المري: وكان بنو فزارة شر عم ... وكنت لهم كشر بني الأخينا
فقوله:"أخوكم"، أي: إخوتكم. فهذا وجه آخر غير الذي استشهد له بهذا البيت والشاهد على قوله الطبري ما جاء في الأثر:"أنتم الوالد ونحن الولد". والإحن جمع إحنة: وهي الحقد الغالب.