وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) بالياء كلتيهما، على وجه الخبر عن الغائب.
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) ، على وجه الخبر عن الغائب، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، بالتاء على وجه المخاطبة.
قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ:"أفغير دين الله تبغون"على وجه الخطاب"وإليه تُرجعون"بالتاء. لأن الآية التي قبلها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطاب نظيرَه، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره. وإن كان الوجه الآخر جائزًا، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحيانًا على الخطاب كله، وأحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، وأحيانًا بعضُه على الخطاب، وبعضُه على الغيبة، فقوله:"تبغون"و"إليه ترجعون"في هذه الآية، من ذلك. (1)
وتأويل الكلام: يا معشرَ أهل الكتاب ="أفغيرَ دين الله تبغون"، يقول: أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون، (2) ="وله أسلم من في السماوات والأرض"، يقول: وله خَشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودة، (3) وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (4) ="طوْعًا وكرهًا"، يقول أسلم لله طائعًا من كان إسلامه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين،
(1) انظر ما سلف: 464 والتعليق رقم: 2، والمراجع هناك. وانظر فهرس مباحث العربية.
(2) انظر تفسير"الدين"فيما سلف 1: 115، 221 / 3: 571 / ثم 6: 273، 274 = ثم معنى"يبغي"فيما سلف 3: 508 / 4: 163 / ثم 6: 196، تعليق: 3.
(3) في المطبوعة:"العبودية"، وأثبت ما في المخطوطة، كما سلف مرارًا. انظر قريبًا: ص: 549 تعلق 2، والمراجع هناك.
(4) انظر تفسير"أسلم"فيما سلف ص: 489، تعليق: 1، والمراجع هناك.