الكتاب، ومدحَهم، وأثنى عليهم، بعد ما وصف الفِرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع، ونَخْب الجَنان، (1) ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمُّل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال:"من أهل الكتاب أمَّة قائمةٌ يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون"، الآيات الثلاث، إلى قوله:"والله عليم بالمتقين".
فقوله: (2) "أمة قائمة"مرفوعةٌ بقوله:"من أهل الكتاب".
وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدَّمين منهم في صناعتهم: (3) أن ما بعد"سواء"في هذا الموضع من قوله:"أمة قائمة"، ترجمةٌ عن"سواء"وتفسيرٌ عنه، (4) بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة. وزعموا أنّ ذكر الفرقة الأخرى، ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي"الأمة القائمة"، ومثَّلوه بقول أبي ذئيب:
عَصَيْتُ إلَيْهَا القَلْبَ: إنِّي لأمْرِهَا ... سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُهَا? (5)
ولم يقل:"أم غير رشد"، اكتفاء بقوله:"أرشد"من ذكر"أم غير رشد"،. وبقول الآخر: (6)
أَرَاك فَلا أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتُه? ... وَذُو الهَمِّ قِدْمًا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ (7)
(1) النخب (بفتح فسكون) : الجبن وضعف القلب. ورجل منخوب الجنان ونخيب الجنان: جبان لا قلب له، كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له.
(2) في المطبوعة:"قوله"بغير فاء في أولها، والصواب من المخطوطة.
(3) يعني الفراء في معاني القرآن 1: 230، 231، وهذا قريب من نص كلامه، وبعض شواهده.
(4) الترجمة: يعني البدل، وانظر تفسير ذلك فيما سلف 2: 340، 374، 420، 424، 426، وغيرها من المواضع في فهرس المصطلحات.
(5) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1: 327.
(6) لم أعرف قائله.
(7) معاني القرآن للفراء 1: 231. وكان في المطبوعة:"أزال فلا أدري ..."، وهو لا معنى له، والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن. ولست أدري أيخاطب امرأة فيقول لها: إن الهم يغلبني إذا رأيتك. فأنا له خاشع متضائل = أم هو يريد الهم والفتك، فيقول: إن الذي يضمر في نفسه شيئًا يهم به من الفتك، يخفى شخصه حتى يبلغ غاية ثأره بعدوه. ولا أرجح شيئًا حتى أجد إخوة هذا البيت.